أحمد بن محمد مسكويه الرازي

219

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

واحد ينظمها ويوحدها . وارسطوطاليس يشبه من كان كذلك بمن يجذب من جهات كثيرة فيتقطع وينشق بحسب تلك الجهات وقواها ، وليس ينظم هذه الكثرة التي ركب الانسان منها الا الرئيس الواحد الموهوب له من الفطرة أعني العقل الذي به تميز من البهائم ، وهو خليفة اللّه عز وجل عنده ، فان هذه القوى كلها إذا ساسها « 1 » العقل انتظمت وزال عنها سوء النظام الذي يحدث من الكثرة ، وجميع ما ذكرناه من اصلاح الاخلاق مبني عليه ، فإذا تمّ للانسان ذلك أعني أن يعدل على نفسه وأحرز هذه الفضيلة فقد لزمه أن يعدل على أصدقائه وأهله وعشيرته ، ثم أن يستعمله في الأباعد « 2 » وسائر الحيوان ، وإذا قد صح ذلك وظهر ظهورا حسيا فقد ظهر بظهوره أن شر الناس من جار على نفسه ثم على أصدقائه وعشيرته ، ثم على كافة الناس والحيوان ، لأن العلم بأحد الضدّين هو العلم بالضدّ الآخر ، فخير الناس العادل وشرهم الجائر كما تبين ذلك . ب ) فلسفة المحبة : وقد إدّعى قوم أن نظام الموجودات كلها وصلاح أحوالها معلّق بالمحبّة وقالوا : ان الانسان انما اضطر إلى اقتناء هذه الفضيلة ، أعني الهيئة التي تصدر عنها العدالة عند تعاطي المعاملات لملافاته شرف المحبة ، ولو كان المتعاملون أحبّاء لتناصفوا ولم يقع بينهم خلاف ، وذلك أن الصديق يحب صديقه ويريد له ما يزيد لنفسه ، وليس تتمّ الثّقة والتعاضد والتوازر إلّا بين المتحابّين ، وإذا تعاضدوا وجمعتهم المحبة

--> ( 1 ) . قادها ، سيطر عليها . ( 2 ) . الأباعد ، جمع للأبعد ، أي : ضدّ الأقرب . البعاد : صفة كالعبيد .