أحمد بن محمد مسكويه الرازي
220
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وصلوا إلى جميع المحبوبات ، ولم تتعذّر عليهم المطالب وإن كانت صعبة شديدة ، وحينئذ ينشئون الآراء الصائبة وتتعاون العقول على استخراج الغوامض من التدابير القويمة ، ويتقوون على نيل الخيرات كلها بالتعاضد . وهؤلاء القوم انما نظروا إلى فضيلة التأحد التي تحصل بين الكثرة ولعمري انها أشرف غايات أهل المدينة « 1 » وذاك أنهم إذا تحابوا تواصلوا وأراد كل واحد منهم لصاحبه مثل ما يريده لنفسه ، فتصير القوى الكثيرة واحدة ولم يتعذر على أحد منهم رأي صحيح ولا عمل صواب ، ويكون مثلهم في جميع ما يحاولونه مثل من يريد تحريك ثقل عظيم بنفسه فلا يطيق ذلك ، فان استعان بقوة غيره حركه ، ومدبر المدينة إنما يقصد بجميع ايقاع المودّات بين أهلها ، وإذا تم له هذا خاصة فقد تمت له جميع الخيرات التي تتعذر عليه وحده وعلى أفراد أهل مدينته ، وحينئذ يغلب اقرانه ويعمّر بلدانه ويعيش هو ورعيته مغبوطين ، « 2 » ولكن هذا التأحد المطلوب بهذه المحبة المرغوب فيها لا يتم الا بالآراء الصحيحة التي يرجى الاتفاق من العقول السليمة عليها والاعتقادات القويّة التي لا تحصل إلّا بالدّيانات التي يقصد بها وجه اللّه عزّ وجل . وأصناف المحبات كثيرة وان كانت ترتقي كلها إلى وجه واحد ، وسنقول فيها بمعونة اللّه ما يسنح في ما يتلو هذه المقالة ان شاء اللّه .
--> ( 1 ) . يقصد : المدينة الفاضلة ، لأفلاطون ، أو المجتمع المدني في عصرنا الحاضر . ( 2 ) . من قبل الآخرين .