أحمد بن محمد مسكويه الرازي
214
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
وحمدهم في بذل المعروف لا في جمع المال . فالخيّر لا يكرم المال ولا يجمعه لذاته بل ليصرفه في وجوهه التي يكتسب بها المحبات والمحامد ، ومن خاصة الخير ان لا يكون كثير المال لأنه منفاق ، ولا يكون أيضا فقيرا لأنه كسوب من حيث ينبغي ، وهو غير متكاسل عن الكسب البتة لأنه بالمال يصل إلى فضيلة الخيرية ، ولذلك لا يضيع المال ولا يستعمل فيه التبذير ولا يشحّ « 1 » أيضا فلا يستعمل التقتير ، فكل خيّر عادل وليس كل عادل خيّرا . 5 - هل العدالة والجور اختياريان ؟ ! وفي هذا الموضع مسألة عويصة سأل عنها الحكماء أنفسهم وأجابوا عنها بجواب مقنع ، ويمكن ان يجاب فيها بجواب آخر هو أشد اقناعا ، ويجب ان نذكر الجميع ، وهو أنّ لشاكّ أن يشكّ فيقول : إذا كانت العدالة فعلا اختياريّا يتعاطاه العادل ، ويقصد به تحصيل الفضيلة لنفسه والمحمدة من الناس ، فيجب ان يكون الجور فعلا اختياريا يتعاطاه الجائر ويقصد به تحصيل الرذيلة ومذمّة الناس ؛ ومن القبيح الشنيع ان يظن بالانسان العاقل انه يقصد الاضرار بنفسه بعد الروية وعلى سبيل الاختيار . ثم أجابوا عن ذلك وحلّوا هذا الشك بأن قالوا : ان من ارتكب فعلا يؤدّيه إلى ضرر أو عذاب ، فإنه يكون ظالما لنفسه وضارا لها من حيث يقدر انه ينفعها ، وذلك لسوء اختياره وترك مشاروة العقل فيه . ومثال ذلك الحاسد ، فإنه ربما جنى على نفسه لا على سبيل إيثار الاضرار بها ، بل لأنه يظن أنه ينفعها في العاجل بالخلاص من الأذى الذي يلحقه من الحسد ؛ هذا جواب القوم .
--> ( 1 ) . الشّح : البخل .