أحمد بن محمد مسكويه الرازي

215

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

وامّا الجواب الآخر فهو ان الانسان لما كان ذا قوى كثيرة يسمى بمجموعها انسانا واحدا لم ينكر ان تصدر عنه افعال مختلفة بحسب تلك القوى ، وانما المنكر ان يكون الشيء الواحد البسيط ذو القوة الواحدة تقع منه بتلك القوة أفعال مختلفة ، لا بحسب الآلات المختلفة ولا بقدر القابلات منه ، بل بتلك القوة الواحدة فقط ، فهذا لعمري منكر شنيع . ولكن الانسان قد تبين من حاله ان له قوى كثيرة فيعمل بكل قوة عملا مخالفا للعمل بالأخرى ، اعني ان صاحب الغضب إذا استشاط يختار افعالا مخالفة لأفعاله إذا كان ساكنا وادعا . « 1 » وكذلك صاحب الشهوة الهائجة وصاحب النشوة الطروب ، فان من شأن هؤلاء ان يستخدموا العقل الشريف في تلك الأحوال ولا يستشيرونه . ولذلك تجد العاقل إذا تغيرت أحواله تلك فصار من الغضب إلى الرضا ومن السكر إلى الإفاقة تعجّب من نفسه وقال : ليت شعري كيف اخترت تلك الأفعال القبيحة ؟ ويلحقه الندم وانما ذلك لأن القوة التي تهيج به تدعوه إلى ارتكاب فعل يظنه في تلك الحال صالحا له جميلا به ، لتتم له حركة القوة الهائجة به ، فإذا سكن عنها وراجع عقله رأى قبح ذلك الفعل وفساده . وقوى الانسان التي تدعوه إلى ضروب الشهوات ومحبة الكرامات ، وان كان لا يستحقها ، كثيرة جدا ، فهو بحسب قواه الكثيرة تكون أفعاله كثيرة ، فإذا تعوّد الانسان أن تكون سيرته فاضلة ، ولم يقدم على شيء من أفعاله الا بعد مطالعة العقل الصريح وبعد مراعاة الشريعة القويمة كانت أفعاله كلها منتظمة غير مختلفة ولا خارجة عن سنن العدل ، أعني المساواة التي قدمنا القول فيها . ولهذا السبب قلنا : ان السعيد هو

--> ( 1 ) . الوداع والوديع : المطمئن .