أحمد بن محمد مسكويه الرازي
208
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يكون حال من لا يلزم لها حقا ؟ ولا يرى عليها مقابلة بطاعة ولا شكر ولا محبة صادقة ولا مسعاة صالحة ؟ فإذا كان هذا معروفا غير منكر وواجبا غير مجحود في ملوكنا ورؤسائنا ، فكم بالحري ان يكون لملك الملوك الذي يصل الينا في كل طرفة عين ضروب احسانه الفائض على أجسامنا ، ونفوسنا التي لا يقع عليها احصاء ولا عدد ، من الحقوق الواجب علينا القيام بها والنهوض بتأديتها ؟ أترانا نجهل النعمة الأولى علينا بالوجود ، ثم تتابعها مواترة بعد ذلك بالخلق الجسداني الذي أفنى فيه صاحب كتابي « التشريح » و « منافع الأعضاء » الف ورقة ، ثم لم يبلغ بعض ما عليه كنه الامر ؟ أم ترانا نجهل ما وهب لنا من نفوسنا وما ركب فيها من القوى والملكات التي لا نهاية لها ، وما امدها به من فيض العقل ونوره وبهائه وبركاته ، وما عرضنا للملك الأبدي والنعيم السرمدي ؟ لا لعمري ما يجهل هذه النعمة الا النّعم . ب ) رأي أرسطو والفلاسفة في مقابلة نعم اللّه تعالى فأما الانسان فيعرف من ذلك ما يضطره اليه مشاهدة أحواله في جميع أوقاته ، وإذا كان الخالق تعالى غنيّا عن معونتنا ومساعينا فمن المحال القبيح والجور الفاحش ان لا نلتزم نحن له حقا ، ولا نقابله على هذه الآلاء والنعم بما يزيل عنا سمة الجور والخروج عن شريطة العدل . الا ان أرسطو طاليس لم ينص في هذا الموضع على العبادة التي يجب ان نلتزمها لخالقنا عز وجل ، غير أنه قال ما هذه حكايته : « وقد اختلف الناس في ما ينبغي ان يقوم به المخلوقون لخالقهم ، فبعضهم رأى أنه صلوات وصيام وخدمة هياكل ومصلّيات وقرابين ، وبعضهم رأى أن يقتصر الاقرار