أحمد بن محمد مسكويه الرازي
207
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
بهذا الموضع ، وهو : ان العدالة لما كانت تظهر في الأخذ والاعطاء ، وفي الكرامات التي ذكرناها وجب ان يكون لما يصل الينا ، عطيات الخالق عز وجل ونعمه التي لا تحصى ، حتى يقابل عليه ؛ وذلك أن من اعطى خيرا ما ، وان كان قليلا ، ثم لم ير ان يقابله بضرب من المقابلة فهو جائر ، فكيف به إذا أعطى جما كثيرا واخذ اخذا دائما ثم لم يعط في مقابلته شيئا البتة ؟ ثم على قدر النعمة التي تصل إلى الانسان يجب أن يكون اجتهاده في المقابلة عليها ، ومثال ذلك ان الملك الفاضل إذا أمن السّرب ، « 1 » وبسط العدل ، وأوسع العمارة ، وحمى الحريم ، وذب عن الحوزة ، ومنع من التظالم ، ووفر الناس على ما يختارونه من مصالحهم ومعايشتهم ، فقد أحسن إلى كل واحد من رعيته احسانا يخصه في نفسه ، وان كان قد عمهم بالخير ، واستحق من كل واحد منهم ان يقابله ضربا من المقابلة متى قعد عنه ، كان جائرا إذا كان يأخذ نعمته ولا يعطيه شيئا ، لكن مقابلة الملك الفاضل من رعيته انما تكون بالاخلاص الدعاء ونشر المحاسن وجميل الشكر ، وبذل الطاعة وترك المخالفة في السر والعلانية والمحبة الصادقة ، والإتمام بسيرته نحو استطاعته والاقتداء به في تدبير منزله وأهله وولده وعشيرته . فان نسبة الملك إلى مدينته ورعيته كنسبة صاحب المنزل إلى منزله وأهله ، فمن لم يقابل ذلك الاحسان بهذه الطاعة والمحبة فقد جار وظلم ، وهذا الظلم والجور إذا كان في مقابلة النعم الكثيرة ، فهو أفحش وأقبح . وذلك ان الظلم وان كان في نفسه قبيحا فان مراتبه كثيرة ، لأن مقابلة كل نعمة ، إنما تكون بحسب منزلتها وموقعها وبقدر فائدتها وعلى مقدار عددها ، فان كانت النعم كثيرة العدد وعظيمة الموقع فكيف
--> ( 1 ) . السّرب بالكسر : النفس ، أي أمن من هوى النفس .