أحمد بن محمد مسكويه الرازي

198

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

2 - السخاء وهذه الحال بعينها تظهر في من عمل عمل الأسخياء وليس بسخي ، وذلك ان من بذل أمواله في شهواته طلبا للسمعة والرياء ، أو تقربا إلى السلطان أو لدفع مضرة عن نفسه وحرمه وأولاده ، أو بذلها لمن لا يستحق من أهل الشر أو الملهين أو المساخر ، أو بذلها لطمع في أكثر منها على سبيل التجارة والمرابحة ، فكل هؤلاء يعمل عمل الأسخياء وليس بسخي . « 1 » أما بعضهم فيبذل ماله بطبيعة الشره ، وأما بعضهم فبطبيعة الطرمذة « 2 » والرياء ، وبعضهم على طريق الازدياد من المال والربح فيه . وأما بعضهم فعلى سبيل التبذير وقلة المعرفة بقدر المال ، وهذا أكثر ما يعرض للوارث ولمن لا يتعب في اكتساب فلا يعرف صعوبة الامر فيه ؛ وذلك ان المال صعب الاكتساب سهل الانفاق والتفرقة ، قد شبهه الحكماء بمن يرفع حملا ثقيلا إلى قمة جبل ثم يرسله ، فإن الامر في ترقيته واصعاده صعب ، ولكن ارساله من هناك أمر سهل . والحاجة إلى المال ضرورية في العيش ، وهو نافع في إظهار الحكمة والفضيلة ، ومن اكتسبه من وجهه صعب عليه ؛ وذلك ان المكاسب الجميلة قليلة ، ووجوهها يسيرة عند الرجل العادل الحر . وأما

--> ( 1 ) . قال اللّه عز وجل في سورة الإسراء الآية 29 : وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً . عن النبي صلّى اللّه عليه وآله : السخاء خلق اللّه الأعظم . عن الإمام علي عليه السّلام : أشجع الناس أسخاهم . وعنه عليه السّلام أيضا : السخاء يزرع المحبّة . وعن الإمام الصادق عليه السّلام : السخاء من أخلاق الأنبياء ، وهو عماد الإيمان ، لا يكون مؤمن إلا سخي ، ولا يكون سخيّا إلّا ذو يقين ، وهمّة عالية ، لأنّ السخاء شعار نور اليقين ، ومن عرف ما قصد هان عليه ما بذل . ( 2 ) . للتباهي والتفاخر .