أحمد بن محمد مسكويه الرازي
193
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
أعمال الإنسان قد قلنا في ما سلف ، ان السعادة تظهر في الافعال من العدالة والشجاعة والعفة ، وسائر ما تحت هذه الأنواع التي احصيناها وحدّدناها ، وهذه الأفعال قد تظهر ممن ليس بسعيد ولا فاضل ، وذلك أنه قد يعمل بعض الناس عمل العدول وليس بعادل ، ويعمل عمل الشجعان وليس بشجاع ، ويعمل عمل الأعفاء وليس بعفيف ، مثال ذلك ان من ترك الشهوات من المآكل والمشارب ، وسائر اللذات التي ينهمك فيها غيره ، إما لأنه ينتظر منها أكثر مما يحضره ، وإما لأنّه لا يعرفها ولم يباشرها كالاعراب الذين يبعدون عن البلاد ، « 1 » وكالرعاة في البوادي وقلل الجبال ، واما لأنه ممتلئ مما يجده ويحضره ، واما لجمود شهوته ونقصان تركيبه ، وإما لأنه استشعر خوفا من تناولها ومكروها يلحقه بسببها ، وإما لأنه ممنوع منها ، فان هؤلاء كلهم يعملون علم الاعفاء وليسوا باعفاء على الحقيقة ، وانما يسمى عفيفا على الحقيقة من وفّى العفة حدها المذكور في ما تقدم ، واختارها لنفسها لا لغرض آخر غيرها ، وآثرها لأنها فضيلة ثم تناول كل واحدة من شهواته بمقدار الحاجة ، ومن الوجه الذي ينبغي وفي الوقت الذي ينبغي ، وعلى الحال الذي ينبغي .
--> ( 1 ) . يقصد ساكني البادية والمناطق النائية .