أحمد بن محمد مسكويه الرازي
194
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
1 - الشجاعة وكذلك حال الذي يعمل اعمال الشجعان وليس بشجاع ، وذلك ان من باشر الحروب وأقدم على ركوب الأهوال لبعض ما يوصل اليه المال أو لبعض الرغبات التي لا تحد كثرة ، فان مثل هذا يعمل عمل الشجعان ولكن يعمله بطبيعة الشر لا بطبيعة الفضيلة التي تدعى الشجاعة ، وكل من كان أكثر اقداما واصبر على الأهوال لهذه الأحوال يجب أن يكون أكثر شرها ونهما لا أكثر شجاعة ، وذلك أنه يخاطر بنفسه الشريفة ويصبر على المكاره العظيمة طمعا في المال وما يوصل اليه بالمال . وقد رأينا أهل الشقاوة يعملون عمل الإعفاء وعمل الشجعان ، وهم أبعد الناس عن كل فضيلة ، وذلك انهم يصبرون عن الشهوات كلها ويصبرون على عقوبات السلطان وضرب السياط ، وتقطيع الأعضاء والجراحات التي لا يؤمن منها ، وينتهون فيه إلى أقصى الصبر على الصلب ، وسمل « 1 » العيون وقطع الأيدي والأرجل وضروب التمثيل ، طلبا لاسم وذكر بين قوم في مثل حالهم من سوء الاختيار ونقصان الفضائل . وقد يعمل أيضا عمل الشجعان من يخاف لائمة عشيرته أو عقوبة سلطان أو خوف سقوط جاهه أو ما أشبه ذلك . وقد يعمل عمل الشجعان من اتفق له مرارا كثيرة أن يغلب أقرانه ، فهو يقدم ثقة منه بالعادة الجارية وجهلا بمواقع الاتّفاقات ، وقد يعمل عمل الشجعان العشاق ، وذلك انهم يركبون الأهوال في طلب المعشوق ، ولرغبتهم في الفجور أو لحرصهم على متعة العين منهم ، لا لطلب الفضيلة ولا
--> ( 1 ) . سمل ، سملا عينه ، فقأها . إستمل عينه : فقأها . السمّال : الذي يفقأ العيون .