أحمد بن محمد مسكويه الرازي

179

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الأحداث إليها بل ليمرّ على سمعهم فقط ، وليعلم أن ههنا مرتبة حكمية لا يصل إليها الا أهلها الأعلون مرتبة فحسب ، فليلتمس كل من نظر في هذا الكتاب المرتبة الأولى منها بالأخلاق التي وصفتها ، فان وفّق بعد ذلك وأعانه الشوق الشديد والحرص التام وسائر ما ذكرناه ووصفناه عن الحكيم ، فليترق في درجة الحكمة وليتصاعد فيها بجهده ، فان اللّه عز وجل يعينه ويوفقه . فإذا بلغ الانسان إلى غاية هذه السعادة ثم فارق بجسمه الكثيف دنياه الدنيئة ، وتجرد بنفسه اللطيفة التي عني بتطهيرها وغسلها من الأدناس الطبيعية لأخراه العلية ، فقد فاز وأعد ذاته للقاء خالقه عز وجل إعدادا روحانيا ، ليس فيه نزاع إلى تلك القوى التي كانت تعوقه عن سعادته ، ولا شوق إليها لأنه قد تطهر منها وتنزه عنها ولم تبق إرادة لها ولا حرص عليها ، وقد استخلصها للقاء رب العالمين ، ولقبول كرامته وفيض نوره الذي كان غير مستعد له ، ولا فيه قبول من عطائه . ويأتيه حينئذ الذي وعد به المتقون والأبرار كما سبق الايماء اليه مرارا في قوله عز وجل : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ « 1 » وفي قول النبي صلّى اللّه عليه وآله : « هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . وإذا لخصنا أمر هاتين المنزلتين من السعادة القصوى ، فقد تبين بيانا كافيا ان إحداهما بالإضافة الينا أولى والأخرى ثانية ، ومن المحال أن نسلك إلى الثانية من غير أن نمر بالأولى ؛ فقد وجب أن نعود إلى ما بدأنا به من ذكر الرتبة الأولى من السعادة الأخيرة ، ونستوفي الكلام فيها وفي الاخلاق التي بنينا الكتاب عليها ، ونخلي عن بيان الرتبة الثالثة إلى وقت آخر فنقول : إن من عني ببعض القوى التي ذكرناها دون

--> ( 1 ) . السجدة / 17 .