أحمد بن محمد مسكويه الرازي
174
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
غير مفرط ، وهو إلى ما ينبغي أقرب منه إلى ما لا ينبغي ، وذلك أنه يجري امره نحو صواب التدبير المتوسط في كل فضيلة ، « 1 » ولا يخرج به عن تقدير الفكر وإن لابس الأمور المحسوسة وتصرف فيها . ثم الرتبة الثانية : وهي التي يصرف الانسان فيها إرادته ومحاولاته إلى الامر الأفضل من صلاح النفس والبدن ، من غير أن يتلبس مع ذلك بشيء من الأهواء والشهوات ، ولا يكترث بشيء من النفسيات المحسوسة إلا ما تدعوه اليه الضرورة ، ثم تتزايد رتبة الانسان في هذا الضرب من الفضيلة ، وذلك ان الأماكن والرتب في هذا الضرب من الفضائل كثيرة بعضها فوق بعض . وسبب ذلك : أما أولا فاختلاف طبائع الناس ، وثانيا على حسب العادات ، وثالثا بحسب منازل الناس ومواضعهم من الفضل والعلم والمعرفة والفهم ، ورابعا بحسب هممهم ، وخامسا بحسب شوقهم ومعاناتهم ويقال أيضا بحسب جدّهم . ثم تكون النقلة في آخر هذه المرتبة ، أعني هذا الصنف من الفضيلة إلى الفضيلة الإلهية المحضة ، وهي التي لا يكون فيها تشوف إلى آت ولا تلفت إلى ماض ، ولا تشييع لحال ولا تطلع إلى ناء ، ولا ضن بقريب ولا خوف ولا فزع من أمر ، ولا شغف بحال ولا طلب لحظ من حظوظ الانسانية ولا من الحظوظ النفسانية أيضا ، ولا ما تدعو الضرورة اليه من حاجة البدن والقوى الطبيعية ، ولا القوى النفسانية ، لكن
--> ( 1 ) . كما هو مشهور على الألسن : خير الأمور أوسطها .