أحمد بن محمد مسكويه الرازي
175
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يتصرف بتصرف الخير العقلي في أعالي رتب الفضائل ، وهو طرف الوكد « 1 » إلى الأمور الإلهية ومعاناتها ومحاولاتها بلا طلب عوض ، أعني ان يكون تصرفه فيها ومعاناته ومحاولته لها لنفس ذاتها فقط . وهذه الرتبة أيضا تتزايد بالناس بحسب الهمم والشوق وفضل المعاناة والمحاولة وقوة النحيزة « 2 » وصحة الثقة ، وبحسب منزلة من بلغ هذا المبلغ من الفضيلة في هذه الأحوال التي عددناها إلى أن يكون تشبهه بالعلة الأولى واقتداؤه بها وبافعالها . آخر مراتب الفضائل : وآخر المراتب في الفضيلة أن تكون أفعال الانسان كلها افعالا إلهيّة وهذه الأفعال هي خير محض . والفعل إذا كان خيرا محضا فليس يفعله فاعله من أجل شيء آخر غير الفعل نفسه . وذلك ان الخير المحض هو غاية متوخاة لذاتها ، أي هو الامر المطلوب المقصود لذاته ؛ والامر الذي هو في نهاية النفاسة ليس يكون من أجل شيء آخر ، فأفعال الانسان إذا صارت كلها إلهيّة ، فهي كلها إنّما تصدر عن لبّه « 3 » وذاته الحقيقية التي هي عقله الإلهي هو ذاته بالحقيقة ، وتزول وتتهدر وتموت سائر دواعي طباعه البدني بسائر عوارض النفسين البهيميتين ، وعوارض التخيل المتولد عنهما وعن دواعي نفسه الحسية ، فلا يبقى له حينئذ إرادة ولا همة خارجان عن فعله ، من أجلهما يفعل ما يفعل لكنه يفعل ما يفعله بلا إرادة ولا همة في سوى الفعل ، أي لا يكون غرضه في فعله غير ذات الفعل . وهذا هو سبيل الفعل الإلهي .
--> ( 1 ) . الوكد : القصد ، ووكد وكده : قصد قصده . ( 2 ) . النحيزة : الطبيعة . ( 3 ) . لبّ الشيء وخالصه - الخالص من الشوائب - .