أحمد بن محمد مسكويه الرازي

172

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

فصاحب هذه المرتبة غير كامل على الاطلاق ولا سعيد تام . وإن صاحب المرتبة الأخرى هو السعيد التام ، وهو الذي توفر حظه من الحكمة فهو مقيم بروحانيته بين الملأ الاعلى ، يستمد منهم لطائف الحكمة ويستنير بالنور الإلهي ، ويستزيد من فضائله بحسب عنايته بها وقلة عوائقه عنها . ولذلك يكون أبدا خاليا من الآلام والحسرات التي لا يخلو صاحب المرتبة الأولى منها ، ويكون مسرورا أبدا بذاته مغتبطا بحاله ، وبما يحصل له دائما من فيض نور الأول ، فليس يسر إلّا بتلك الأحوال ولا يغتبط إلّا بتلك المحاسن ، ولا يهش إلّا لاظهار تلك الحكمة بين أهلها ، ولا يرتاح الا لمن ناسبه أو قاربه وأحب الاقتباس منه . وهذه هي المرتبة التي من وصل إليها فقد وصل إلى آخر السعادات وأقصاها . وهو الذي لا يبالي بفراق الأحباب من أهل الدنيا ولا يتحسر على ما يفوته من التنعم فيها . وهو الذي يرى جسمه وماله وجميع خيرات الدنيا التي عددناها في السعادات التي في بدنه والخارجة عنه كلها كلّا عليه إلّا في ضرورات يحتاج إليها لبدنه الذي هو مربوط به ، لا يستطيع الانحلال عنه الا عند مشيئة خالقه . وهو الذي يشتاق إلى صحبة اشكاله « 1 » وملاقاة من يناسبه من الأرواح الطيبة والملائكة المقربين . « 2 » وهو الذي لا يفعل إلّا ما أراده اللّه منه ولا يختار إلّا ما قرب اليه ، ولا يخالفه إلى

--> ( 1 ) . في الدنيا . ( 2 ) . في الآخرة ، وعالم المجرّدات .