أحمد بن محمد مسكويه الرازي

155

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الوصول به إلى معرفة الخلائق وطباعها ، ثم التعلق بها والتوسع فيها والتوصل منها إلى العلوم الإلهية . وحينئذ تستعد لقبول مواهب اللّه عز وجل وعطاياه ، فيأتيك الفيض الإلهي فتسكن عن قلق الطبيعة وحركاتها نحو الشهوات الحيوانية ، وتلحظ المرتبة التي ترقيت فيها أولا أولا من مراتب الموجودات ، وعلمت أن كل مرتبة منها محتاجة إلى ما قبلها في وجودها ، وعلمت أن الانسان لا يتم له كماله إلا بعد ان يحصل له ما قبله ، وانه إذا صار انسانا كاملا وبلغ غاية أفقه أشرق نور الأفق الأعلى عليه ، وصار حكيما تاما تأتيه الالهامات في ما يتصرف فيه من المحاولات الحكمية والتأييدات العلوية في التصورات العقلية ، « 1 » وإما نبيا مؤيدا يأتيه الوحي على ضروب المنازل التي تكون له عند اللّه تعالى ذكره ، فيكون حينئذ واسطة بين الملأ الاعلى والملأ الأسفل ، وذلك بتصوره حال الموجودات كلها والحال التي ينتقل إليها من حال الانسية ، ومطالة الآفاق التي ذكرناها ، وحينئذ يفهم عن اللّه عز وجل قوله : فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ . « 2 » وتصور معنى قوله صلّى اللّه عليه وآله : « هناك ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر » . وإذا بلغ بنا الكلام إلى ذكر هذه المنزلة العالية الشريفة التي أهّل الانسان لها ، ونسقنا أحواله التي يترقى فيها ، وأنه يكون أولا بالشوق إلى المعارف والعلوم فينبغي أن يزيد في بيانه وشرحه فنقول :

--> ( 1 ) . يميل في رأيه هذا إلى المدرسة الإشراقية ، بزعامة الشيخ المقتول شهاب الدين السهروردي . ( 2 ) . السجدة / 17 .