أحمد بن محمد مسكويه الرازي

156

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

غاية الكمال والسعادة التامّة ان هذا الشوق ربما ساق الانسان على منهج قويم وقصد صحيح ، حتى ينتهي إلى غاية كماله ، وهي سعادته التامة ، وقلما يتفق ذلك ، وربما اعوج « 1 » به عن السمت « 2 » والسنن ، « 3 » وذلك لأسباب كثيرة يطول ذكرها ، ولا حاجة بك إلى علمها الآن وأنت في تهذيب خلقك . فكما أن الطبيعة المدبرة للأجسام ربما شوقت إلى ما ليس بتمام للجسم الطبيعي ، لعلل تحدث به وآفات تطرأ عليه بمنزلة من يشتاق إلى أكل الطين وما جرى مجراه مما لا يكمل طبيعة الجسد بل يهدمه ويفسده ، كذلك أيضا النفس الناطقة ربما اشتاقت إلى النظر والتمييز الذي لا يكلمها ولا يشوقها نحو سعادتها ، بل يحركها إلى الأشياء التي تعوقها وتقصر بها عن كمالها ، فحينئذ يحتاج إلى علاج نفساني روحاني ، كما احتاج في الحالة الأولى إلى طب طبيعي جسماني . ولذلك تكثر حاجات الناس إلى المقومين والمنفعين ، وإلى المؤدبين والمسددين ، فان وجود تلك الطبائع الفائقة التي تنساق بذاتها من غير توفق إلى السعادة عسرة الوجود ، لا توجد الا في الأزمنة الطوال والمدد البعيدة وهذا الأدب الحق الذي يؤدينا إلى غايتنا يجب أن نلحظ فيه المبدأ الذي يجري مجرى الغاية ، حتى إذا لحظت الغاية تدرج منها إلى الأمور الطبيعية على طريق التحليل ، ثم يبتدئ

--> ( 1 ) . من الاعوجاج والانحراف عن الطريق الصحيح . ( 2 ) . سمت ، سمتا ، أي : الطريق . السمت ، جمع سموت ، أي : الطريق والمحجّة ، وتستعمل السمت لهيئة أهل الخير أو مطلقا ، يقال : « ما أحسن سمت فلان » . ( 3 ) . السنن الإلهية ، التي أودعها اللّه عز وجل في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وهي تجري مجراها كما يقول الشهيد محمد باقر الصدر قدّس سرّه إلى يوم القيامة - أي : ما بقي الدّهر - .