أحمد بن محمد مسكويه الرازي

150

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

مختلطة القوى ، أعني ان قوى ذكورها وإناثها غير متميزة ، فهي تحمل وتلد المثل ، ولم تبلغ غاية أفقها الذي ينصل بأفق الحيوان ، ثم تزداد وتمعن في هذا الأفق إلى أن تصير في أفق الحيوان ، فلا تحتمل زيادة ؛ وذلك انها ان قبلت زيادة يسيرة صارت حيوانا ، وخرجت عن أفق النبات ، فحينئذ تتميز قواها ويحصل فيها ذكورة وانوثة ، وتقبل من فضائل الحيوان أمورا تتميز بها عن سائر النبات والشجر ، كالنخل الذي طالع أفق الحيوان بالخواص العشر المذكورة في مواضعها ، ولم يبق بينه وبين الحيوان الا مرتبة واحدة ، وهي الانقلاع من الأرض والسعي إلى الغذاء . وقد روي في الخبر ما هو كالإشارة أو كالرمز إلى هذا المعنى ، وهو قوله صلّى اللّه عليه وآله : « أكرموا عمّاتكم النّخل فإنها خلقت من بقية طين آدم » . « 1 » فإذا تحرك النبات وانقلع من أفقه وسعى إلى غذائه ولم يتقيد في موضعه إلى أن يصير اليه غذاؤه ، وكونت له آلات اخر يتناول بها حاجاته التي تكمله فقد صار حيوانا . التدرج في قبول الفضائل : وهذه الآلات تتزايد في الحيوان من أول أفقه وتتفاضل فيه ، فيشرف فيه بعضها على بعض ، كما كان ذلك في النبات ، فلا يزال يقبل فضيلة بعد فضيلة ، حتى تظهر فيه قوة الشعور باللذة والأذى ، فيلتذ بوصوله إلى منافعه ويتألم بوصول مضاره اليه ، ثم يقبل الهام اللّه عز وجل إياه فيهتدي إلى مصالحه فيطلبها ، وإلى اضداده فيهرب منها . وما كان من الحيوان في أول أفق النبات فإنه لا يتزاوج ، ولا يختلف المثل بل يتولد

--> ( 1 ) . رواه ابن عدي في الكامل وعن الإمام علي عليه السّلام : « أكرموا عمتكم النخلة فإنها خلقت من فضلة طينة أبيكم آدم » .