أحمد بن محمد مسكويه الرازي

151

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

كالديدان والذباب وأصناف الحشرات الخسيسة « 1 » ثم يتزايد فيه قبول الفضيلة كما كان في النبات سواء ، ثم تحدث فيه قوة الغضب التي ينهض بها إلى دفع ما يؤذيه ، فيعطى من السلاح بحسب قوته وما يطيق استعماله ، فان كانت قوته الغضبية شديدة كان سلاحه تاما قويا ، وان كانت ناقصة كان ناقصا ، وان كانت ضعيفة جدا لم يعط سلاح البتة ، بل أعطي آلة الهرب كشدة العدو والقدرة على الحيل التي تنجيّه من مخاوفه . وأنت ترى ذلك عيانا من الحيوان الذي أعطي القرون التي تجري له مجرى الرماح ، والذي أعطي الأنياب والمخالب التي تجري له مجرى السكاكين والخناجر ، والذي أعطي آلة الرمي التي تجري له مجرى النبل والنشاب ، والذي أعطي الحوافر التي تجري له مجرى الدبوس والطبرزين ، « 2 » فأما من لم يعط سلاحا لضعفه عن استعماله ولقلة شجاعته ونقصان قوته الغضبية ، ولأنه لو اعطيه لصار كلا « 3 » عليه ، فقد أعطي آلة الهرب والحيل بجودة العدو والخفة ، والختل « 4 » والمراوغة كالأرانب وأشباهها . وإذا تصفحت أحوال الموجودات من السباع والوحش والطير رأيت هذه الحكمة مستمرة فيها ، فتبارك اللّه أحسن الخالقين . فأما الانسان فقد عوض من هذه الآلات كلها بان هدي إلى استعمالها كلها ، وسخرت هذه كلها له ، وسنتكلم على ذلك في موضعه . فأما أسباب هذه الأشياء كلها والشكوك التي تعترض في قصد بعضها بعضا بالتلف والأنواع من الأذى ، فليس يليق

--> ( 1 ) . طبعا كل ما خلق اللّه عز وجل من حيوانات وحشرات ونباتات فيه حكمة ومنفعة ، ولكن من الممكن نحن ما توصّلنا إلى حكمتها . ( 2 ) . الطبرزين : الفأس من السلاح . ( أصلها فارسية ) . ( 3 ) . ثقلا . ( 4 ) . الختل : الحيلة ، يقال : خاتل الصّياد ، أي : مشى قليلا لئلا يحسّ الصيد به .