أحمد بن محمد مسكويه الرازي

146

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

المعلم ان لا يصرخ ولا يستشفع بأحد ، فإن هذا فعل المماليك ومن هو خوار ضعيف ، ولا يعير أحدا إلا بالقبيح السيّيء من الأدب . ويعود ان لا يوحش الصبيان بل يبرهم ويكافئهم على الجميل بأكثر منه لئلا يتعود الربح على الصبيان وعلى الصديق . ويبغض اليه الفضة والذهب ويحذر منهما أكثر من تحذير السباع والحيات والعقارب والأفاعي . فإن حب الفضة والذهب آفته أكثر من آفة السموم . وينبغي ان يؤذن له في بعض الأوقات ان يلعب لعبا جميلا ، ليستريح اليه من تعب الأدب ، ولا يكون في لعبه ألم ولا تعب شديد ويعود طاعة والديه ومعلميه ومؤدبيه ، وان ينظر إليهم بعين الجلالة والتعظيم ويهابهم . « 1 » وهذه الآداب النافعة للصبيان وهي للكبار من الناس أيضا نافعة ولكنها للأحداث أنفع لأنها تعودهم محبة الفضائل وينشأون عليها ، فلا يثقل عليهم تجنب الرذائل ، ويسهل عليهم بعد ذلك جميع ما ترسمه الحكمة وتحده الشريعة والسنة ، ويعتادون ضبط النفس عما تدعوهم اليه من اللذات القبيحة ، وتكفهم عن الانهماك في شيء منها والفكر الكثير فيها ، وتسوقهم إلى مرتبة الفلسفة العالية وترقيهم إلى معالي الأمور التي وصفناها في أول الكتاب من التقرب إلى اللّه عز وجل ، ومجاورة الملائكة مع حسن الحال في الدنيا ، وطيب العيش وجميل الأحدوثة ، وقلة الأعداء وكثرة المداح والراغبين في مودته من الفضلاء خاصة ، فإذا تجاوز هذه الرتبة وبلغ أيامه إلى أن يفهم أغراض الناس وعواقب الأمور ، فهم ان الغرض الأخير من هذه الأشياء التي

--> ( 1 ) . يقول الإمام علي عليه السّلام : « من علّمني حرفا ، فقد صيّرني عبدا » . وهذا الحديث يدّل على أهمية الأستاذ وما مدى احترامه لدى الطالب ، حيث يجب أن يجل له كل الاحترام . وكتب علماء الاخلاق مباحث مفصلة عن علاقة التلميذ بالأستاذ ، راجع كتاب : منية المريد للشهيد الثاني .