أحمد بن محمد مسكويه الرازي

147

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

يقصدها الناس ويحرصون عليها من الثروة واقتناء الضياع والعبيد والخيل والفرش وأشباه ذلك ، انما هو ترفيه البدن وحفظ صحته ، وان يبقى على اعتداله مدة ما ، وأن لا يقع في الأمراض ولا تفجؤه المنية وان يتهنأ بنعمة اللّه عليه ويستعد لدار البقاء والحياة السرمدية ، وان اللذات كلها بالحقيقة هي خلاص من آلام وراحات من تعب . فإذا عرف ذلك وتحققه ، ثم تعوده بالسيرة الدائمة عود الرياضات التي تحرك الحرارة الغريزية وتحفظ الصحة وتنفي الكسل ، وتطرد البلادة وتبعث النشاط ، وتذكي النفس ، فمن كان ممولا مترفا كانت هذه الأشياء التي رسمتها أصعب عليه ، لكثرة من يحتف به ويغويه ، « 1 » ولموافقة طبيعة الانسان في أول ما تنشأ هذه اللذات ، واجماع جمهور الناس على نيل ما أمكنهم منه ، وطلب ما تعذر عليهم بغاية جهدهم ، فأما الفقراء فالأمر عليهم أسهل بل هم قريبون إلى الفضائل ، قادرون عليها متمكنون من نيلها والإصابة منها . وحال المتوسطين بين هاتين الحالتين . وقد كان ملوك الفرس الفضلاء لا يربون أولادهم بين حشمهم وخواصهم خوفا عليهم من الأحوال التي ذكرناها ، ومن سماع ما حذرت منه . وكانوا ينفذونهم مع ثقاتهم إلى النواحي البعيدة منهم ، وكان يتولى تربيتهم أهل الجفاء وخشونة العيش ومن لا يعرف التنعم ولا الترفه ، وأخبارهم في ذلك مشهورة ، وكثير من رؤساء الديلم في زماننا هذا ينقلون أولادهم عندما ينشأون إلى بلادهم ، ليتعودوا بها هذه الاخلاق ويبعدوا عن الفتح وعادات أهل البلدان الرديئة . « 2 » وإذا قد عرفت هذه الطرق المحمودة في تأديب الاحداث ، فقد أعرفك

--> ( 1 ) . أي : الإغراء . ( 2 ) . أي : البلدان المترفة والمسرفة .