أحمد بن محمد مسكويه الرازي

135

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

يقربونه على روايتها وقول مثلها ، ويجزلون له العطية ، وامتحن بأقران يساعدونه على تناول اللذات الجسمانية ، ومال طبعه إلى الاستكثار من المطاعم والملابس والمراكب والزينة وارتباط الخيل الفره والعبيد الروقة ، كما اتفق لي مثل ذلك في بعض الأوقات ، ثم انهمك فيها واشتغل بها عن السعادة التي هو أهل لها ، فليعد جميع ذلك شقاء لا نعيما وخسرانا لا ربحا ! وليجتهد على التدريج إلى فطام نفسه منها ، وما أصعب ذلك ، « 1 » إلا أنه على كل حال خير من التمادي في الباطل . وليعلم الناظر في هذا الكتاب اني خاصة تدرجت إلى فطام نفسي بعد الكبر واستحكام العادة ، وجاهدتها جهادا عظيما ، ورضيت لك أيها الفاحص عن الفضائل والطالب للأدب الحقيقي بما رضيت لنفسي ، بل تجاوزت لك في النصيحة إلى أن أشرت عليك بما فاتني في ابتداء أمري ، لتدركه أنت ، ودللتك على طريق النجاة قبل ان تتيه في مفاوز الضلالة ، وقدمت لك السفينة قبل ان تغرق في بحر المهالك . فاللّه اللّه في نفوسكم معاشر الاخوان والأولاد ! استسلموا للحق ، وتأدبوا بالأدب الحقيقي لا المزور ، وخذوا الحكمة البالغة وانتهجوا الصراط المستقيم ، وتصوروا حالات أنفسكم وتذكروا قواها . 10 - الإنسان : والملك والسبع والخنزير ! واعلموا أن أصح مثل ضرب لكم من نفوسكم الثلاث التي ما ذكرها في المقالة الأولى ، مثل ثلاثة حيوانات مختلفة جمعت في مكان واحد : ملك وسبع وخنزير ، فابها غلب بقوته قوة الباقين كان الحكم له . وليعلم من تصور هذا المثال ان النفس لما

--> ( 1 ) . المؤلف - هنا - يعيش حالة الصراع في داخله ، لأنه عاش هذه التجارب بنفسه .