أحمد بن محمد مسكويه الرازي

136

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

كانت جوهرا غير جسم ، ولا شيء فيها من قوى الجسم واعراضه ، كما بينا ذلك في صدر هذا الكتاب ، كان اتحادها واتصالها بخلاف اتحاد الأجسام واتصال بعضها ببعض . وذلك ان هذه الأنفس الثلاث إذا اتصلت صارت شيئا واحدا ، ومع أنها تكون شيئا واحدا فهي باقية التغاير وباقية القوى ، تثور الواحدة بعد الواحدة ، حتى كأنها لم تتصل بالأخرى ولم تتحد بها ، وتستجدي أيضا الواحدة للأخرى حتى كأنها غير موجودة ولا قوة لها تنفرد بها . وذلك ان اتحادها ليس بأن تتصل نهايتها ولا بأن تتلاقى سطوحها ، كما يكون ذلك في الأجسام بل تصير في بعض الأحوال شيئا واحدا ، وفي بعض الأحوال أشياء مختلفة ، بحسب ما تهيج قوة بعضها أو تسكن . ولذلك قال قوم : إن النفس واحدة ولها قوى كثيرة . وقال آخرون بل هي واحدة بالذات ، كثيرة بالعرض وبالموضوع . وهذا شيء يخرج الكلام فيه عن غرض الكتاب ، وسيمر بك في موضعه . وليس يضرك في هذا الوقت ان تعتقد أي هذه الآراء شئت ، بعد ان تعلم أن بعض هذه كريمة أدبية بالطبع ، وبعضها مهينة عادمة للأدب بالطبع ، وليس فيها استعداد لقبول الأدب ، وبعضها عادمة للأدب إلا انها تقبل التأديب وتنقاد التي هي أدبية . اما الكريمة الأديبة بالطبع « فالنفس الناطقة » ، وأما العادمة للأدب ، وهي مع ذلك غير قابلة له ، فهي « النفس البهيمية » وأما التي عدمت الأدب ، ولكنها تقبله وتنقاد له ، فهي « النفس الغضبيّة » ، وانما وهب اللّه تعالى لنا هذه النفس خاصة لنستعين بها على تقويم البهيمية التي لا تقبل الأدب . وقد شبه القدماء الانسان وحاله في هذه الأنفس الثلاث بانسان راكب دابة قوية ، ويقود كلبا أو فهدا للقنص ، فإن كان الانسان من بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه يصرفهما ويطيعانه في سيره وتصيده وسائر تصرفاته ،