أحمد بن محمد مسكويه الرازي

134

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

ثم يتلمس الفضيلة في نفسه العاقلة التي بها صار انسانا ، وينظر إلى النقائص التي في هذه النفس خاصة ، فيروم تكميلها بطاقته وجهده ، فان هذه الخيرات هي التي لا تستر ، وإذا وصل إليها لا يمنع عنها الحياء ولا يتوارى عنها بالحيطان والظلمات ، ويتظاهر بها ابدا بين الناس وفي المحافل ، وهي التي يكون بها بعض الناس أفضل من بعض ، وبعضهم أكثر انسانية من بعض . ويغذو هذه النفس بغذائها الموافق لها المتمم لنقصانها ، كما يغذوا تلك بأغذيتها الملائمة لها ، فان غذاء هذه هو العلم والزيادة في المعقولات ، والارتياض « 1 » بالصدق في الآراء وقبول الحق حيث كان ومع من كان ، والنفور من الكذب والباطل كيف كان ومن أين جاء . فمن اتفق له في الصبا أن يربّى على أدب الشريعة ، ويؤخذ بوظائفها وشرائطها حتى يتعودها ، ثم ينظر بعد ذلك في كتب الاخلاق حتى تتأكد تلك الآداب والمحاسن في نفسه بالبراهين ، ثم ينظر في الحساب والهندسية حتى يتعود صدق القول وصحة البرهان فلا يسكن الا إليها ، ثم يتدرج كما رسمناه في كتابنا الموسوم « بترتيب السعادات ومنازل العلوم » حتى يبلغ إلى أقصى مرتبة الانسان فهو السعيد الكامل ، فليكثر حمد اللّه تعالى على الموهبة العظيمة والمنة الجسمية . ومن لم يتفق له ذلك في مبدأ نشوئه ، ثم ابتلى بان يربيه والده على رواية الشعر الفاحش وقبول أكاذيبه ، واستحسان ما يوجد فيه من ذكر القبائح ونيل اللذات ، كما يوجد في شعر امرئ القيس والنابغة « 2 » وأشباههما ، ثم صار بعد ذلك إلى رؤساء

--> ( 1 ) . من رياضة النفس وتعليمها . ( 2 ) . من الشعراء الجاهليين ، وأصحاب المعلّقات السبع المشهورة ، حيث امرئ القيس له اشهر معلقة تبدء ب : فقا نبكي من ذكرى حبيب ومنزل * في سقط اللّوى بين الدخول فحومل