أحمد بن محمد مسكويه الرازي
131
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
8 - مراتب القوى وشرفها وإذا كانت القوى ثلاثا كما قلنا مرارا ، فادونها : « النفس البهيمية » وأوسطها : « النفس السّبعيّة » ، وأشرفها : « النفس الناطقة » . والانسان انما صار انسانا بأفضل هذه النفوس ، أعني الناطقة ، وبها شارك الملائكة وبها باين البهائم . « 1 » فأشرف الناس من كان حظه من هذه النفس أكثر ، وانصرافه إليها أتم وأوفر ، ومن غلبت عليه احدى النفسين الأخريين انحط عن مرتبة الانسانية ، بحسب غلبة تلك النفس عليه ، فانظر رحمك اللّه اين تضع نفسك واين تحب ان تنزل من المنازل التي رتبها اللّه تعالى للموجودات ، فان هذا أمر موكول إليك ، ومردود إلى اختيارك ، فإن شئت فانزل في منازل البهائم ، فإنك تكون منهم ، وان شئت فانزل في منازل السباع وان شئت فانزل في منازل الملائكة ، وكن منهم ؟ ! وفي كل واحدة من هذه المراتب مقامات كثيرة : فان بعض البهائم أشرف من بعض ، وذلك لقبول التأدب ، لأن الفرس انما شرف على الحمار لقبوله الأدب ، وكذلك في البازي فضيلة على الغراب . وإذا تأملت الحيوان كله وجدت القابل للتأدب الذي هو أثر النطق ، أعني النفس الناطقة ، أفضل من سائره ، وهو يتدرج في ذلك إلى أن يصير إلى الحيوان الذي هو في أفق الانسان ، أعني الذي هو أكمل البهائم وهو في أخسّ مرتبة الانسانية ، وذلك ان أخس الناس هو من كان قليل العقل قريبا من البهيمة ، وهم القوم الذين في أقاصي الأرض المعمورة ، وسكان آخر ناحية الجنوب والشمال لا ينفصلون عن القرود الا
--> ( 1 ) . أي : اختلف مع الحيوانات .