أحمد بن محمد مسكويه الرازي

132

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

بشيء قليل من التمييز ، وبذلك القدر يستحقون اسم « الإنسانيّة » ، ثم يتميزون ويتزايدون في هذا المعنى حتى يبلغوا إلى وسط الأقاليم ، ويعتدل فيهم المزاج القابل لصورة العقل ، فيصير فيهم العاقل التام والمميز العالم . ثم يتفاضلون في هذا المعنى أيضا إلى أن يصيروا إلى غاية ما يمكن للانسان أن يبلغ اليه من قبول قوة العقل والنطق ، فيصير حينئذ في الأفق الذي بين الانسان والملك ، ويصير فيهم القابل للوحي والمطيق لحمل الحكمة ، فتفيض عليه قوة العقل ويسبح اليه نور الحق ولا حالة للانسان أعلى من هذه ما دام انسانا . ثم ارجع القهقرى إلى النظر في الرتبة الناقصة التي هي أدون مراتب الانسان ، فإنك تجد القوم الذين تضعف فيهم القوة الناطقة ، « 1 » وهم القوم الذين ذكرنا ، انهم في أفق البهائم تقوى فيهم النفس البهيمية ، فيميلون إلى شهواتها المأخوذة بالحواس كالمأكول والمشروب والملبوس ، وسائر النزوات « 2 » الشبيهة بها . وهؤلاء هم الذين تجذبهم الشهوات القوية بقوة نفوسهم البهيمية حتى يرتكبوها ولا يرتدعوا عنها ، وبقدر ما يكون فيهم من القوة العاقلة يستحيون منها حتى يستتروا بالبيوت ويتواروا بالظلمات ، إذا هموا بلذة تخصهم . وهذا الحياء منهم هو الدليل على قبحها ، فان الجميل بالاطلاق هو الذي يتظاهر به ويستحب اخراجه واذاعته ، وهذا القبح ليس بشيء أكثر من النقصانات اللازمة للبشر ، وهي التي يشتاقون إلى ازالتها ، وافحشها هو انقصها ، وأنقصها أحوجها إلى الستر والدفن . ولو سألت القوم الذين يعظمون أمر اللذة ، ويجعلونها الخير المطلوب والغاية الانسانية : لم تكتمون

--> ( 1 ) . أي : القوة العقلية والبرهانية . ( 2 ) . يقصد : الرغبات والميولات الدنيويّة .