أحمد بن محمد مسكويه الرازي

130

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

بدنه مركب من الطبائع المتضادة ، « 1 » أعني الحرارة والبرودة واليبوسة والرطوبة ، وانه إنما يعالج بالمأكل والمشرب أمراضا تحدث به عند الانحلال ، لحفظ تركيبه على حالة واحدة ابدا ما أمكن ذلك فيه ، وان علاج المرض ليس بسعادة تامة ، والراحة من الألم ليست بغاية مطلوبة ولا خير محض ، وان السعيد التام هو من لا يعرض له مرض البتة ، وعرف مع ذلك أيضا ان الملائكة الأبرار الذين اصطفاهم اللّه بقربه لا تلحقهم هذه الآلام ، فلا يحتاجون إلى مداواتها بالاكل والشرب وان اللّه تعالى منزه متعال عن هذه الأوصاف ، عارضوه بأن بعض البشر أشرف من الملائكة ، وان اللّه تعالى أجلّ من أن يذكر مع الخلق ، وشاغبوه وسفهوا رأيه وأوقعوا له شبها باطلة ، حتى يشك في صحة ما تنبه اليه وأرشده عقله اليه . والعجب الذي لا ينقضي هو انهم ، مع رأيهم هذا ، إذا وجدوا واحدا من الناس قد ترك طريقتهم التي يميلون إليها ، واستهان باللذة والتمتع وصام وطوى واقتصر على أنبتت الأرض ، عظموه وكثر تعجبهم منه وأهلوه للمراتب العظيمة ، وزعموا انه ولي اللّه وصفيه ، وانه شبيه بالملك ، وانه أرفع طبقة من البشر ، ويخضعون له ويذلون غاية الذل ، ويعدون أنفسهم أشقياء بالإضافة اليه . والسبب في ذلك هو انهم ، وان كانوا من أفن « 2 » الرأي وسفاهته على ما ترى ، فان فيهم من تلك القوة الأخرى الكريمة المميزة وان كانت ضعيفة ما يريهم فضيلة ذوي الفضائل ، فيضطرون إلى اكرامهم وتعظيمهم .

--> ( 1 ) . حيث الانسان مركب من جسد ( مادي ) وروح ( معنويّة ) ، الأول يميل إلى الدنيا والأرض السفلى ، والآخر إلى الآخرة والسماء العلى . ( 2 ) . الافن : ضعف الرأي .