أحمد بن محمد مسكويه الرازي

120

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

انسان على سوم طباعه وبقي عمره كله على الحال التي كان عليها في الطفولية ، وتبع ما وافقه في الطبع : إما الغضب وإما اللذة وإما الزعارّة ، « 1 » وإما الشره ، وإما غير ذلك من الطباع المذمومة . و « الشريعة » هي التي تقوّم الاحداث وتعودهم الأفعال المرضية ، وتعد نفوسهم لقبول الحكمة وطلب الفضائل ، والبلوغ إلى السعادة الانسية بالفكر الصحيح والقياس المستقيم . وعلى الوالدين اخذهم بها وبسائر الآداب الجميلة بضروب السياسات من الضرب ، إذا دعت اليه الحاجة أو التوبيخات ان صدتهم ، أو الأطماع « 2 » في الكرامات أو غيرها مما يميلون اليه من الراحات ، أو يحذرونه من العقوبات ، حتى إذا تعودوا ذلك واستمروا عليه مدة من الزمن كثيرة أمكن فيهم حينئذ ان يعلموا براهين ما أخذوه تقليدا ، وينبهوا على طرق الفضائل واكتسابها والبلوغ إلى غاياتهم بهذه الصناعة التي نحن بسببها واللّه الموفق . وللانسان في ترتيب هذه الآداب وسياقها أولا أولا إلى الكمال الأخير طريق طبيعي يتشبه فيها بفعل الطبيعة ، وهو أن ينظر إلى هذه القوى التي تحدث فينا أيها أسبق الينا وجودا فيبدأ بتقويمها ثم بما يليها على النظام الطبعي ، وهو بين ظاهر وذلك ان أول ما يحدث فينا هو الشيء العام للحيوان والنبات كله ، ثم لا يزال يختص بشيء ، شيء يتميز به عن نوع نوع ، إلى أن يصير إلى الانسانية ، فلذلك يجب أن نبدأ بالشوق « 3 » الذي يحصل فينا للغذاء فنقوّمه ، ثم بالشوق الذي يحصل فينا إلى الغضب ومحبة الكرامة فنقوّمه ، ثم بآخرها الشوق الذي يحصل فينا إلى المعارف

--> ( 1 ) . إنسان شرس . ( 2 ) . أي : الترغيب . ( 3 ) . الشوق والرغبة .