أحمد بن محمد مسكويه الرازي

121

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

والعلوم فنقوّمه ، وهذا الترتيب الذي قلنا إنه طبيعي انما حكمنا فيه بذلك لما يظهر فينا منذ أول نشوئنا ، أعني أنا نكون أولا أجنة « 1 » ثم أطفالا ثم ناسا كاملين ، وتحدث فينا هذه القوى مرتبة . 4 - « صناعة الاخلاق » أفضل الصناعات فاما ان هذه الصناعة هي أفضل الصناعات كلها ، أعني صناعة الاخلاق التي تعني بتجويد افعال الانسان بما هو انسان فيتبين مما أقول : لما كان للجوهر الانساني فعل خاص لا يشاركه فيه شيء من موجودات العالم كما بيناه في ما تقدم ، وكان الانسان اشرف موجودات عالمنا ، ثم لم تصدر عنه افعال بحسب جوهره ، وشبهناه بالفرس الذي إذا لم تصدر عنه أفعال الفرس على التمام استعمل مكان الحمار بالإكاف ، وكان وجوده أروح له من عدمه ، وجب أن تكون الصناعة التي تعنى بتجويد افعال الانسان حتى تصدر عنه افعاله كلها تامة كاملة بحسب جوهره ، ورفعه عن رتبة الأخس التي يستحق بها المقت من اللّه والقرار في العذاب الأليم اشرف الصناعات كلها واكرمها . واما سائر الصناعات الأخر ، فمراتبها من الشرب بحسب مراتب جوهر الشيء الذي تستصلحه . وهذا ظاهر جدا من تصفح الصناعات لأن فيها الدباغة التي تعني باستصحلاح جلود البهائم الميتة ، وفيها صناعة الطب والعلاج التي تعني باستصلاح الجواهر الشريفة الكريمة ، وهكذا الهمم المتفاوتة التي ينصرف بعضها إلى العلوم الدنيئة ، وبعضها إلى العلوم الشريفة ، وإذا كانت جواهر الموجودات متفاوتة في الشرف في

--> ( 1 ) . جنين - في رحم الأم - .