أحمد بن محمد مسكويه الرازي
117
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
1 - رأي جالينوس فاما جالينوس « 1 » فإنه رأى أن الناس فيهم من هو خير بالطبع ، وفيهم من هو شرير بالطبع ، وفيهم من هو متوسط بين هذين ، ثم أفسد المذهبين الأولين اللذين ذكرناهما ، أما الأول فبأن قال إن كل الناس اخيار بالطبع وانما ينتقلون إلى الشر بالتعليم ، فمن الضرورة ان يكون تعلمهم الشرور إما من أنفسهم وإما من غيرهم ، فان تعلموا من غيرهم فان المعلمين الذين علموهم الشر أشرار بالطبع ، فليس الناس إذا كلهم اخيارا بالطبع ، وان كانوا تعلموه من أنفسهم فاما ان يكون فيهم قوة يشتاقون بها إلى الشر فقط ، فهم إذا أشرار بالطبع ، واما ان يكون فيهم مع هذه القوة التي تشتاق إلى الشر قوة أخرى تشتاق إلى الخير ، إلا أن القوة التي تشتاق إلى الشر غالبة قاهرة للتي تشتاق إلى الخير وعلى هذا أيضا يكونون أشرارا بالطبع . واما الرأي فإنه أفسده بمثل هذه الحجة ، وذلك أنه قال : ان كان كل الناس أشرارا بالطبع فإمّا ان يكونوا تعلموا الخير من غيرهم أو من أنفسهم ونعيد الكلام الأول بعينه « 2 » ولما أفسد هذين المذهبين صحح رأي نفسه من الأمور البينة الظاهرة ، وذلك أنه ظاهر جدا أن من الناس من هو خير بالطبع وهم قليلون ، وليس ينتقل هؤلاء إلى الشر ، ومنهم من هو شرير بالطبع وهم كثيرون ، وليس ينتقل هؤلاء إلى الخير ، ومنهم
--> ( 1 ) . جالينوس ) nelaG ( ( 129 - 199 قبل الميلاد ) طبيب يوناني ، يعتبر أحد أعظم الأطباء في العصور القديمة . أسّس الفيسيولوجيا التجريبيّة . وضع عشرات من المؤلفات في علمي التشريح ، والفيسيولوجيا سيطرت على الفكر الطبّي في أوروبا طوال القرون الوسطى وخلال عصر النهضة . وقد أقام الدليل في آثاره هذه ، على ما يتميّز به تفكيره من أصالة ونزوع إلى الاختيار ، ومن أجل ذلك عدّها بعض الباحثين المعاصرين أحد الأسس العريضة التي قام عليها الطب الحديث . ( 2 ) . فيلزمه الدور ، وهو باطل منطقيا .