أحمد بن محمد مسكويه الرازي

116

تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق

الاخلاق طبيعيا للانسان . ولا نقول إنه غير طبيعي وذلك إنّا مطبوعون « 1 » على قبول الخلق بل ننتقل بالتأديب والمواعظ اما سريعا أو بطيئا ، وهذا الرأي الأخير هو الذي نختاره لانّا نشاهده عيانا ، ولان الرأي الأول يؤدي إلى ابطال قوة التمييز والعقل ، وإلى رفض السياسات كلها وترك الناس همجا مهملين ، وإلى ترك الاحداث والصبيان على ما يتفق ان يكونوا عليه بغير سياسة ولا تعليم ، وهذا ظاهر الشناعة جدا . واما الرّواقيّون « 2 » فظنوا أن الناس كلهم يخلقون اخيارا بالطبع ، ثم بعد ذلك يصيرون أشرارا بمجالسة أهل الشر ، والميل إلى الشهوات الرديئة ، التي لا تقمع بالتأديب ، فينهمك فيها ثم يتوصل إليها من كل وجه ولا يفكر في الحسن منها والقبيح . وأما قوم آخرون كانوا قبل هؤلاء فإنهم ظنوا أن الناس خلقوا من الطينة السفلى ، وهي كدر العالم ، فهم لأجل ذلك أشرار بالطبع ، وانما يصيرون أخيارا بالتأديب والتعليم ، الا ان فيهم من هو في غاية الشر . لا يصلحه التأديب . وفيهم من ليس هو في غاية الشر فيمكن ان ينتقل من الشر إلى الخير بالتأديب من الصبا ، ثم بمجالسة الأخيار وأهل الفضل .

--> ( 1 ) . أي : مجبولون ، مخلوقون ، يقصد الفطرة التي خلق الانسان عليها . فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ الروم / 30 . ( 2 ) . الرّواقية : مذهب ) msiciotS ( فلسفي أنشأه الفيلسوف اليوناني « زيتون السيشيومي » حوالي العام 300 قبل الميلاد . وهو يقول بأن العالم كل عضويّ تتخلّله قوة اللّه الفاعلة ، وبأنّ رأس الحكمة معرفة هذا الكل ، مع التأكيد على أنّ الانسان لا يستطيع أن يلتمس هذه المعرفة ، إلا إذا كبح جماح عواطفه وتحرّر من الانفعال ، والرّواقيون يدعون إلى التناغم مع الطبيعة والصبر على المشاق ، والأخذ بأهداب الفضيلة لان الفضيلة هي إرادة اللّه ومن أشهر الرواقيين في عهد الرومان « سينكا » ) aceneS ( و « ماركوس » و « أوريليوس » .