أحمد بن محمد مسكويه الرازي
108
تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق
يليق بالصناعة ، لا على ما يجب على شخص شخص ، فان هذا غير ممكن . فان النجار والصائغ وجميع أرباب الصناعات انما يحصل في نفوسهم قوانين وأصول ، فيعرف النجار صورة الباب والسرير والصائغ صورة الخاتم والتاج على الاطلاق ، فاما اشخاص ما قام في نفسه ، فإنما يستخرجها بتلك القوانين . ولا يمكنه تعرف الاشخاص لأنها بلا نهاية ، وذلك ان كل باب وخاتم انما يعمل بمقدار ما ينبغي وعلى قدر الحاجة . وبحسب المادة والصناعة لا نضمن الا معرفة الأصول فقط . وإذ قد ذكرنا معنى « الوسط في الاخلاق » وما ينبغي ان يفهم منه ، فلنذكر هذه الأوساط لتفهم منها الأطراف التي هي رذائل وشرور ، فنقول وباللّه التوفيق : 1 - اما « الحكمة » فهي وسط بين السفه والبله وأعني بالسفه ههنا استعمال القوّة الفكرية في ما لا ينبغي وكما لا ينبغي وسمّاه القوم الجربزة « 1 » واعني بالبله تعطيل هذه القوة واطراحها . وليس ينبغي ان يفهم ان البله ههنا نقصان الخلقة ، بل ما ذكرته من تعطيل القوة الفكرية بالإرادة . 2 - وأما « الذكاء » فهو وسط بين الخبث والبلادة ، فان أحد طرفي كل وسط افراط والآخر تفريط ، اعني الزيادة عليه والنقصان منه . فالخبث والدهاء والحيل لرديئه هي كلها إلى جانب الزيادة في ما ينبغي ان يكون الذكاء فيه . وأما البلادة والبله والعجز عن ادراك المعارف فهي كلها إلى جانب النقصان من الذكاء . 3 - وأما « الذكر » فهو وسط بين النسيان الذي يكون بإهمال ما ينبغي ان يحفظ وبين العناية بما لا ينبغي ان يحفظ . واما التعقل وهو حسن التصور فهو وسط بين
--> ( 1 ) . الحيلة والمكر والخداع ، وهي كلمة معربة .