إخوان الصفاء
98
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
ووصفته اليوم تعليم ملكيّ . ثم إن ذلك الرجل التائب بقي مدة من الزمان مجتهدا في عبادة اللّه ، على عادته ، حتى قرب أجله ووقت مفارقته ، فرأى في منامه كأن روحه قد خرجت من جسده ، وإذا هي على صورة مثل شكل الجسد وهيئته سواء ، غير أن هذا الشكل جسمانيّ ، وتلك صورة روحانية شفّافة ، لا ينالها لمس ولا حسّ ، وإذا هي قد ثبتت في الهواء حيث شاءت ، وكيف شاءت ، بلا كلفة ، ولا عناء ، وهي تجد من ذاتها خفّة وراحة وسرورا ، وروحا ولذة وفرحا لا توصف بمثلها حال الأجسام . ولما نظرت إلى جسدها ، فإذا هو مطروح لا حراك به ، فحنّت إليه ، لطول الصّحبة وإلف العادة . فلما دنت منه وتأمّلته ، فإذا هو كأنه قد أتى ثلاثة أيام بعد الموت ، وهو منتفخ منتن الرائحة ، يسيل منه الدم والقيح والصديد « 1 » ، وتجري بين لحمه ودمه الديدان ، ويخرج من فيه ومنخريه وأذنيه الديدان والقمل . فلما رأت ذلك المنظر الهائل اشمأزّت منه ، وتأخرت عنه ، وأنفت من الدّنوّ إليه ، وجعلت تغبط حالها حين فارقته ، وخرجت منه ، ونجت من وسخه ودرنه ووحشته وعاره ووباله . ثم التفتت ، فإذا هي أبواب السماء قد فتحت ، والمعراج قد امتدّ من السماء إلى الأرض ، والملائكة نزلت وامتلأت الآفاق من النور والضّياء . وسمع مناديا ينادي : « يا أيتها النفس المطمئنة ، ارجعي إلى ربّك راضية مرضيّة ، فادخلي في عبادي ، وادخلي جنّتي » فانتبه من نومه ذلك ، ثم أخبر بما رأى ، وأوصى وصيّته ، وما مكث إلّا أياما حتى توفي ومضى لسبيله .
--> ( 1 ) الصديد : الدم والقيح الذي يسيل من الجسد .