إخوان الصفاء

99

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل تفكر ، يا أخي ، في هذه الحكايات التي تقدم ذكرها ، واعتبر حال المنامات وتصاريفها وعجائبها ، إذ قد كان يبلغ من أمرها وقوّتها أن تتقلب بالأعيان ، وتتغيّر بها العادات وتصاريف أمر الناس ، من الغم والحزن في طلبها ، إلى الزهد فيها والترك لها ، والرغبة في الآخرة والاجتهاد في طلبها بعد الإعراض عنها . وتصديق جمهور الناس بأحكام المنامات وصحة الرؤيا هو مشهور بين العقلاء . ومن ينكر هذا البيان وحقيقة الرؤيا ويجحد صحة المنامات فما هو إلّا معاند عدو لما يجهل ، منكر لما لا يفهم ، وقد جعل فكرة المعارضة للحكماء والمجادلة للعلماء ، ويفتخر بقوة لسانه وحسن بيانه بغير علم ولا إيمان . وقد يروى في الخبر عن النبي ، صلى اللّه عليه وسلم ، أنه قال : « إن أخوف ما أخاف على أمتي رجل عليم اللسان جاهل القلب » . نعوذ بالله من ذلك . فصل اعلم أنه ليست من طائفة أضرّ على الأنبياء وأشقّ على المؤمنين من هذه الطائفة ، سواء يكونون في أزمان مبعث الأنبياء من جملة أعدائهم المنافقين ، أو يكونون من بعد مبعثهم في أمتهم ، وذلك أنهم إن كانوا في أزمان مبعث الأنبياء ، عليهم السلام ، فهم الذين يطالبون الأنبياء بالمعجزات ، ويعارضونهم بالخصومات ، ويجادلون المؤمنين بالشّبهات مثل ما قالوا لنوح ، عليه السلام : « ما نراك اتبعك إلّا الذين هم أراذلنا بادي الرأي » . واستصغارا للمؤمنين واستنقاصا لقولهم . وهكذا قالوا لموسى النبي ، عليه السلام : « أتعلمون أنه مرسل من ربه ؟ » أرادوا جدالهم فترك المؤمنون جدالهم وقالوا : « إنا بما أرسل به مؤمنون » .