إخوان الصفاء
72
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل في ماهية الصبر ومن إحدى شرائط الإيمان وخصال المؤمنين الصبر كما قيل : الصبر رأس الإيمان . وقال اللّه تعالى : « اصبر وما صبرك إلّا بالله » . وقال للمؤمنين : « اصبروا وصابروا » . الآية . واعلم يا أخي أن الصبر هو الثبات في حال الشدائد بلا جزع لما يرجى من محمود العاقبة ، والصبر مشتق من مرارة الصبر . واعلم يا أخي أن الناس أكثرهم يصبرون في الشدائد ، ولكن لا يكون صبرهم بالله ولا للّه ! لأنهم يجزعون ويضطربون ويشكّون ويظنّون بالله ظنّ السوء كما قال اللّه جل ثناؤه في قصة المنافقين : « وظننتم ظن السوء وكنتم قوما بورا » . وذلك أن منهم من ظنّ أن تلك الشدائد التي أصابتهم جور منه إذا قضاها عليهم ، ومنهم من ظنّ أنه ليس من قضائه وحكمه ، ومنهم من ظنّ أنه ليس يعلم ما هم عليه من الجهد والبلوى ، ومنهم من يعلم أنه يعلمه ولكنه يظن أنه لا يفكّر فيهم ولا يهمّه أمرهم ، ومنهم من يظن أنه قاسي القلب قليل الرحمة وما شاكلها من ظنون السوء . فأما الأنبياء المؤمنون فإنهم يصبرون في الشدائد والبلوى ويكون صبرهم بالله وللّه ، وذلك أنهم يرون ويعتقدون أن الشدائد التي تصيب الخلق ، فيها ضروب من المصلحة لهم ، وإن كان يخفى على كثير من العقلاء ما لتلك المصلحة والحكمة ، كما بيّنا في باب الدعاء والإخلاص عند الشدائد ، وكما بيّنا في رسالة اللذات ما الحكمة في ألم نفوس الحيوان دون سائر النفوس التي في العالم ، وأن الحكمة فيها هي حثّ نفوسها على حفظ أجسادها من التلف والفساد . واعلم يا أخي أن اعتقاد الأنبياء والمؤمنين بأنّ في الشدائد التي تصيبهم مصلحة لهم نتج من المقدّمة التي أقروا بها وهي قولهم : إن للعالم صانعا واحدا حيّا قادرا حكيما ، وإنه قد رتّب أمر العالم على أحسن النظام والترتيب في إتقان