إخوان الصفاء
73
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
الحكمة ، حتى لا يجري أمر من الأمور صغارها وكبارها إلّا وفيها ضروب من الحكمة وصنوف من الصلاح لا يعلمه إلّا هو . فصل في ماهية القضاء والقدر والرضاء بالقضاء ومن شرائط الإيمان وخصال المؤمنين الرضاء بالقضاء والقدر ، وهو طيب النفس بما يجري عليها من المقادير ، وجريان المقادير هو موجبات أحكام النجوم ، والقضاء هو علم اللّه السابق بما توجبه أحكام النجوم . ويقال إن الرضا بالقضاء هو أقلّ أعمال بني آدم التي تصعد إلى السماء ، وهو أشرف شرائط الإيمان وأفضل خصال المؤمنين . وقد قال اللّه تعالى : « لقد رضي اللّه عن المؤمنين » . وقال : « رضي اللّه عنهم ورضوا عنه » . ثم اعلم يا أخي أنه لا يوجد أحد طيب النفس بما يجري عليه من المقادير المرّة الصابرة إلّا العارفون بحرمة الناموس ، ولا يعرف أحد حرمة الناموس كما يجب إلّا الأنبياء والمؤمنون . وقد بيّنا حق الناموس وكيفيّة حرمته في رسالة النواميس . فمن علامة الرضا بالقضاء وبما تجري به المقادير أن ينقاد لحكم الناموس طيّب النفس مثل انقياد سقراط حكيم اليونانيين ، وذلك أن هذا الحكيم أوجب عليه القاضي القتل بشهادة العدول ، وأنه واجب عليه القتل بشبهة دخلت على القوم فانقاد سقراط للقتل طيّبة به نفسه ! فقيل له : إنك تقتل مظلوما ، فهل لك أن نفديك بفدية أو نهرب بك ؟ قال سقراط : أخاف أن يقول الناموس غدا لي : لم فررت من حكمي ؟ فقالوا : تقول له : لأني كنت مظلوما . قال لهم : إن قال لي الناموس : إن ظلمك الشهود الذين شهدوا عليك بالزور والبهتان ، فكان من الواجب أن لا تظلمني أنت وتفرّ من حكمي ، فما ذا أقول ؟ فخصمهم بهذه الحجّة ، وانقاد للقتل