إخوان الصفاء
65
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
إن العلم هو صورة المعلوم في نفس العالم ، والإيمان هو التصديق لمن هو أعلم منك بما يخبرك عما لا تعلمه . واعلم أنه ربّ صورة في نفس العالم ليس لها وجود في الهيولى ، فنحتاج أن ننظر في هذا الباب نظرا شافيا ، فإن أكثر ما تدخل الشّبهة على العلماء من هذا الباب . وأما الإيمان فهو التصديق للمخبر فيما قال وأخبر عنه ، ولكن ربّ مخبر بخلاف ما في نفسه فيكون كذابا إن كان قاصدا لذلك ، وربّ مصدّق أيضا لكذاب ، وهذا أيضا يحتاج إلى نظر شاف لأن الشّبهة تدخل على القائلين والمستمعين من هذا الباب . وقد بيّنا طرفا من هذه المعاني في رسائلنا المنطقيات . فصل واعلم يا أخي أن الإيمان يورث العلم لأنه متقدم الوجود على العلم ، ومن أجل هذا دعت الأنبياء ، عليهم السلام ، الأمم إلى الإقرار أولا بما خبّرتهم والتصديق بما كان غائبا عنهم عن إدراك حواسّهم وتصوّر أوهامهم ، فإذا أقرّوا بألسنتهم ، سمّوهم عند ذلك المؤمنين . ثم طالبوهم بتصديق القلب كما ذكر اللّه : « ومن يؤمن بالله يهد قلبه » فإذا وقع التصديق بالقلب سمّوهم الصّدّيقين ، كما قال تعالى : « والذي جاء بالصدق وصدّق به أولئك هم المتّقون » . واعلم أن أول ما يبدأ بالإيمان الذي هو التصديق من الأنبياء للملائكة بما يخبرونهم عما ليس في طاقة البشر تصوّرها قبل إخبار الملائكة لهم كما قال اللّه تعالى : « آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون » إلى آخر الآية . واعلم يا أخي أن الملائكة هم محتاجون إلى الإيمان فهم متفاوتون في درجات العلوم ، كما أخبر عنهم فقال : « وما منا إلّا له مقام معلوم » وإن من أشرف