إخوان الصفاء
64
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
معرفة معانيها ، جاهلون بلطيف أسرارها ، غافلون عن عظيم شأنها ، وإليهم أشار بقوله : « فرحوا بما عندهم من العلم » . وأما الذين حرموا العلم والإيمان جميعا فهم طائفة من الذين أترفوا في هذه الحياة الدنيا فهم مشغولون الليل والنهار في طلب شهواتها ، مغرورون بعاجل حلاوات لذّات نعيمها ، تاركون لطلب الآداب ، معرضون عن العلم وأهله ، غافلون عن أمر الديانات وأحكام الشرائع ومفروضات السّنن التي الغرض منها نجاة النفس وطلب الآخرة ، وإليهم أشار بقوله : « وأترفناهم في الحياة الدنيا » وقال : « ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون » وقال : « يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم » . فأما الذين أوتوا من العلم والإيمان حظّها جزيلا فهم إخواننا الفضلاء الكرام الأخيار الذين أشار إليهم بقوله : « يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات » . وقد أخبرنا عن مذهبهم ، وعرّفناكم أخلاقهم ، وبيّنا آراءهم ، وأوضحنا أسرارهم في إحدى وخمسين رسالة عملناها في فنون الآداب وغرائب العلوم وطرائف الحكم . فانظروا فيها أيها الإخوان الأبرار الرحماء ، فلعلكم توفّقون لفهم معانيها بتأييد اللّه لكم وبروح منه ، فتحيّون حياة العلماء ، وتعيشون عيش السعداء ، وتهتدون إلى طريق ملكوت السماء ، وتنظرون إلى الملإ الأعلى ، وتساقون إلى الجنة زمرا . واعلم يا أخي أن المؤمنين درجاتهم متفاوتة الإيمان ، كما أن العلماء متفاوتون في درجات العلوم ، وذلك أن الإنسان لا يبلغ درجة في العلم إلّا ويلوح له فوقها درجات لم يبلغها بعد ، كما ذكر اللّه بقوله : « وفوق كل ذي علم عليم » . فهو من أجل هذا يحتاج إلى الإقرار به والتصديق بقول من هو أعرف وأعلم منه . وإذ قد بان من فضيلة العالم والمؤمن ، وما العلم وما الإيمان بما تقدم ، فنريد أن نذكر ماهيّة كل واحد منهما ونبيّن كمّيتهما وكيفيتهما فنقول :