إخوان الصفاء
426
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
تحققه ، وهو حق يقين وسحر مبين ، ولكنها أجساد غير ناطقة ، وأرواح منها خرجت ثم عادت إليها ، وهي أصباغ مشرقة وألوان مونقة ! واعلم يا أخي أن هذا الصنف من السحر يفسد العقول ويتلف النفوس إذا عطفت إليه وأقبلت عليه ، وينبغي لإخواننا ، أيدهم اللّه ، أن لا يلتفتوا إلى هذا الفن من جهة القياس وقراءة الكتب والتّجربة والاعتماد على من قال ووصف وقال رأيت ، وإنما المراد من ذلك اتّباع المعلّم الواصل والحكيم الفاضل المانّ على من يحب أن يمنّ عليه بذلك ، إذا كان ممن ينبغي أن يعلّم له السحر الحلال ويعرّف كيف يحيي اللّه الموتى كما قال إبراهيم : « رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى » قال : أو لم تؤمن ؟ يعني بالصفة - قال « بلى ولكن ليطمئن قلبي » - بالنظر . قال : « فخذ أربعة من الطير - يعني أربعة أزواج طائرة - فاجعل على كل جبل منهن جزءا » يعني أجسادا ثابتة جزءا كما ينبغي أن يجعل عليه ؛ ثم أدعهن - بالماء المحلّل - يأتينك سعيا ، واعلم أن اللّه على كل شيء قدير . وهذا مقتضى هذه الآيات على ما تأوّله أصحاب هذه الصناعة . وبهذا السحر عمل قارون وصرفه في غير حله وخالف موسى في فعله وتعدّى ما رسمه له فحيل بينه وبينه ، وخسف به وبداره وابتلعته الأرض وما كان معه . وقلّ من يستحقّ تعليم هذا السحر في العالم ، وإنما أردنا بما ذكرناه ونذكره تلقيح عقول إخواننا ، أيّدهم اللّه ، بالمعارف ، وتحريضهم على النظر في كل العلوم والمعرفة بمبادىء الصنائع وكيفياتها ، ليكونوا علماء حكماء ، ويفارقوا عالم الجهل وصفاته ، ويتخلّصوا من أهله وآفاته ، ويرتقوا إلى عالم العقل وخيراته ، وينالوا درجة العلم وبركاته « وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين » . والموفّق لذلك قليل ، وقليل ما هم . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه تعالى ، أنه لا ينبغي لأحد من إخواننا ، أيّدهم اللّه ، ولا لأحد من أي الناس كان أن يبتدئ بتدبير شيء من الأشياء ولا صنعة من الصنائع ، ولا عمل من الأعمال يريد به الصلاح في أمر نفسه