إخوان الصفاء
417
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
فصل قال أرسطوطاليس : إن الدائرة الأولى التي دون السماء دائرة النار ، والثانية دائرة الهواء ، والثالثة دائرة الماء ، والرابعة دائرة الأرض . ويخرج من دائرة الأرض لونان من الدخان ، أحدهما لطيف خفيف يتصاعد إلى العلو ، وإذا قرب من دائرة الهواء ، غلظ وارتفع فيها إلى أن يقرب من دائرة النار فيحمى ولا يجد السبيل إلى النفوذ ، فينحطّ راجعا إلى معدنه ، فيكون منه المطر . واللون الآخر من الدخان يثور من قرارها ويدور إلى سطحها ، وهو كثيف ثقيل ، فتكون منه الجبال ، فإذا رجع الدخان الصاعد إلى البخار الثابت ، شربته الجبال فصار فيها كالروح منه في الماء ، فإذا نضب الماء ظهرت الجبال ورجع الدخان وانعقد منه في باطنها وخللها ومنافذها أجناس المعادن . فإذا كملت له القوّة واجتمعت طبائعه وقوي جسده وما حلّت فيها ، ظهر منها بحسب بعدها من الاعتدال فيه . والأربعة تدور إلى الاثني عشر ، لأن الأربع الدوائر بإزاء ما في الأرض من الجزائر ، فتكون أفعالها فيها موجودة كوجود أفعال الكواكب السبعة في الاثني عشر برجا كدوران الشمس فيها . وللحكماء في هذا القول إشارات خفيّة وأسرار دقيقة لا يطّلع عليها ولا يعرف العمل بها إلّا إخوان الصفاء الذين صفت أذهانهم ، حتى بلغوا إلى تصفية ما احتاجوا إليه من هذه الطبائع ، ومزجوا بعضها ببعض ، فحصل التشبّه بالإله - بحسب الطاقة الإنسانية - فنالوا سعادة البقاء في الدنيا بالطّمأنينة ، وجعلت لهم في الآخرة خيرات الدار الحيوانية التي هي الحياة الحقيقية . واعلم يا أخي أنه بمعرفة البخارين الخارجين من التراب ، أحدهما لطيف والآخر كثيف ، وثبات السّفلى ورجوع العليا إليه ، وقراره فيه وثباته معه ، يكون تمام العمل وإحكامه .