إخوان الصفاء

418

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وقال الحكيم : جسد الشمس رأس كل جسد ، وسمي رأسا لأنه رئيس الأجساد ، ولا تستطيع الكواكب التي تحته أن تدنو منه ولا تبعد عنه ، وهو يضيء بنوره الكواكب إذا نزل فيها وقرب منها : فمنه نبات ، ومنه جوهر ، ومنه سهل ، ومنه جبل ، ومنه ما يخرج من خلطين : أحمر وأصفر . وأرضه تبرق . وإن حفرت الأرض التي يكون فيها الذهب حتى تبالغ في حفرها ، رأيت أرضها مذهّبة كأنها تشبه الزرنيخ الأصفر والكبريت الأحمر ، وتكون ريح سخنة ، وهي أرض واسعة ، وطبيعتها حارّة رطبة ، والمياه التي تجري فيها حلوة ، فهذه طبيعة أرض الذهب ، وقوّته وكونه في معدنه ، وكونه في مكانه ، وكونه في نباته في أوانه وشكله في كيانه . فلذلك قال فيثاغورس إن الشمس ملك كل جوهر ، وطبيعته أعدل الطبائع ، وإنه لا تفسده الأرض ، ولا تحرقه الأشياء المحرقة للأجساد ، لأن مزاجه في الحرارة واليبوسة والبرودة والنداوة أجزاء متساوية ، وليس في طبيعته شيء زائد على شيء ، ولا ناقص ولا فاسد ، ولهذا عظّموه وكرّموه وسمّوه شمسا ، وصاغت منه الملوك تيجانا وأكاليل ، ورصعوه بالجواهر ، وحملوه على رؤوسهم إعظاما لقدره ، وتشريفا لذكره ولفضله على الأجساد ، ولأنه أجلّ معدن موجود في عالم الكون والفساد ، وكرامة للشمس التي بها صلاح البلاد وحياة العباد . وقال أفلاطون : إنّا دخلنا في جبال حيث يكون الشمال ، وكانت جبالا طوالا لا نرى الشمس فيها ، فلم نستطع المكث بها من شدّة البرد ، ولم نر هناك نباتا إلّا شيئا قليلا في زمان الصيف ، وكان الصيف هناك كالشتاء في غير ذلك الموضع ، وأعظم ما يكون منه . فلذلك قلنا إنه ليس للعالم أفضل من تدبير الشمس ، ولا عمل أفضل من العمل الذي أخرجت ، والجوهر الذي صنعت ، والصبغ الذي صبغت ، والسحر الذي سحرت به العقول ، وجعلته طلّسم الطّلّسمات ، ومغناطيس النفوس الجزئيّات والشهوات الجسمانيات ،