إخوان الصفاء

416

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

قيام الجسد وعليها بني . فإذا عرفت هذه الأصول عرفت ما يتفرع منها ، فعند ذلك تعرف صناعة طبّ الأجسام الحيوانية ، وبها تكون لك المعرفة بطبائع الأجساد المعدنية . فإن كنت جاهلا بمعرفة الطبائع الحيّة الناطقة ، فأنت بمعرفة الطبائع المائية الصافية أجهل ، ومن تدبيرها أبعد ، لأن منها ما ينبغي أن يفرق حتى يزول عن عينه الأولى ، ويخرج عن الطبيعة غير المعتدلة ، وينشأ نشوءا آخر ، ويحيا بحياة أخرى . ومنها ما يحوّل طبيعته من الملوحة إلى الحلاوة ومن الصلابة إلى الرخاوة . ومنها ما يعمل به ضدّ ذلك وينزل به من الرطوبة إلى اليبوسة ومن الحموضة والعفوصة إلى الاعتدال . ومنها ما لا يمازج بعضه بعضا إلّا بعد المصالحة بينهما وذهاب ما يفسد حالهما ، فإن فصل أحدهما عن صاحبه أفسده ، وعن حدّ الاعتدال أخرجه . فإذا عرفت مداواة السوداء التي طبيعتها البرد واليبس حتى تردّها إلى طبيعة البلغم ، وهي البرودة والرطوبة ، فقد أصبت بعض ما يحتاج إليه . وإذا عرفت أن تحيل طبيعة الصفراء التي هي الحرارة واليبس إلى طبيعة الدم ، وهي الحرارة والاعتدال ، فقد أصبت أجلّ منازل طبّ الأجساد . وهاتان المنزلتان في التدبير المعدنيّ أجلّ منازل الواصلين إليها ، وهما الأصلان الأولان ، والفرعان التابعان ، أعني الحرارة والبرودة والرّطوبة واليبوسة .