إخوان الصفاء

409

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

جعل العقل سابقا ، والنفس لا حقة ، والطبيعة سائقة ، والهيولى لا حقة . فالعقل هو الخلق الأول والنور الأطول الذي قصّرت الأنوار كلّها عن أن تطاوله ، إذ هو مستمدّ لأنواره الفاضلة وخيراته الكاملة من باريه ، جلّ جلاله ، وتقدّست أسماؤه ، فهو يستكمل الفضائل والخيرات مبرّأ من الشوائب والتغييرات من جهات النقص الواقع بمن دونه من المخلوقات الروحانيات والجسمانيات ؛ إذ كان هو التام المعطي لمن دونه صورة التمام ، وهو المرتّب لكل موجود منه وصادر عنه مرتبة الدوام ، وموفّيه حظّه اللائق به في لزوم النظام واعتدال الأقسام . وكذلك جعلت له القوة الحافظة على جميع الموجودات ذواتها ، والقوة بموجود ذاتها وبخاصّة المختص بها ، يعطي الموجودات خواصّها الخاصّة بواحد واحد منها ، بحسب ما يستحقها ويليق بها ، وهو الساحر الأعظم الذي سحر الأشياء كلها ، إذ كان هو المبيّن لها ، وبه تكون المعرفة بها والاطلاع عليها ، وبه انسحرت النفس الكلية ، إذ هو المظهر لها والمبيّن لها وما يخفى عليها ، والجاعل فيها ما ظهر منها وصدر عنها . فلذلك صار العقل الخاصّ به يظهر بوساطتها ، وبه يكون سكونها ووصولها إلى حدّ طمأنينتها التي بلغت إلى خيراته الدائمة ، ووصلت إلى فيوضاته الشريفة وأنواره اللطيفة ، وأفعاله المختصة به ، التي إذا ظهرت بوساطة النفس الكليّة للنفوس الجزئيّة ، وانطبعت فيها أوصلتها إليه ، وقدمت بها عليه ، فيه يكون خلاصها ونجاتها من أسر الطبيعة ، وموت الخطيّة ، وفساد الهيولى ، وذل العبودية . وأما أفعال النفس الظاهرة بوساطة الطبيعة فهو ما يظهر من أفعال البشر من الصنائع والمهن ، ونريد أن نذكر طرفا منها ، إذ كان ما يعمل منها هو السحر الطبيعي ، وبه يكون التلوّن والتشكّل والصّبغ والتصوّر وقلب الأعيان ، وتتمم الكيان الطبيعي ، والامتزاج المعدني ؛ وبه سحر العالم الناطق بعضه بعضا ، كلّ بحسب ما قدر عليه ووصل بقوته المجعولة فيه إليه .