إخوان الصفاء
410
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
واعلم يا أخي ، أيدك اللّه تعالى ، أنه لما كان أعلى الصنائع العلمية ، وما يعمل بالقوّة العقليّة والفكرة النفسانية خالصة ، لا تشركه القوى الطبيعية ، ولا تحتاج فيه إلى مثل ما تحتاج لغيره من الموضوعات الهيولانية ، وهو علم صناعة العدد ، لأنه صورة عقلية تنزل في قوة نفسانية ، وعلم صناعة النجوم ، إنما هو مدرك بقوّة فكرية موجودة بمادّة نفسانية موجودة من حركة دورية ، وبقوة النفس يعلم ما يكون منها ويصدر عنها ، حتى تكون موجودة بالحس ، والأصل في ذلك هو معرفة الزمان الذي هو عدد حركات الفلك المحيط المحرّك لما دونه من المراتب في أفق النفس الكليّة . وقد قلنا فيما تقدم إن علم العدد كالملك لسائر العلوم ، وعلم صناعة النجوم كالوزير التابع للملك ، وكالعقل الذي هو سابق الموجودات بالبداية ، والموجود بعدها في النهاية ، والنفس تالية له ومقبلة عليه وراجعة إليه ؛ وكذلك علم العدد هو السابق لجميع العلوم وهو الموجود إذا عدمت ، ولا ترتفع بارتفاعها إذا ارتفعت ذاته ومراتبه في نظامها ، موافقة له في تمثيلاته ، ويتبعه علم النجوم وما يعرف بموجبات دلالاته وخفاء إشاراته ، وما ينحط إلى العالم السّفلي والمركز الأرضيّ من قوى روحانيّاته ، وهي الملائكة الموكّلة بحفظ البريّة والقسمة فيهم بالسوية في الأصول الأوّليّة بالنشوء في البداية ، والفساد عند النهاية . واعلم يا أخي ، أيدك اللّه ، أن القسمة جارية في جميع الموجودات ، مستوية لا تفاوت فيها ، ذلك أن وجودها كلّها بالنشوء والنّماء ، وانتهاؤها بالفساد والفناء . فسبحان خالق الوجود والبقاء ، وجاعل الظّلمة والضياء على كل شيء كان بالنّشوء في الابتداء ، وكل فاسد فبالعدم عند الانتهاء . سبحان من لا بداية له بنشوء يعرف ، ولا نهاية له بفناء يوصف ، جلّ عن الإشارة إليه بشيء جلالا يفوت وصف الواصفين من الروحانيين ومن الجسمانيين إلّا بما وصف به نفسه : « كل شيء هالك إلّا وجهه » . ولما كان هذان العلمان هما الأصل للعلوم اللطيفة والمعارف الشريفة ، وهي أجلّ العلوم قدرا وأكثرها