إخوان الصفاء

381

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل واعلم يا أخي أن أقوى ما يكون فعل إبليس في دور السّتر ، وذلك لأن حجّة اللّه ، عزّ اسمه ، في أرضه وخليفته في عباده يكون مختفيا مستورا ، وإن كانت أنواره تضيء في نفوس العارفين به والراجعين إليه الذين لا يغرّهم ما يرونه من قوّة ملوك الدنيا وخلفاء الشياطين ، فإنها أمور زائلة مضمحلّة فانية لا بقاء لها ولا دوام ، ولا ينظرون من أمامهم إلى ملكه وسلطانه في دور ستره ، ولا يشكّكهم فيه دور الخفاء والاستتار ، بل يكون الإمام عندهم في حال ستره وخفائه ، لأن جميع ما يجوّزونه على النبي المرسل فقد يجوّزون مثله على الوصيّ وعلى الإمام ، إذ كان النبيّ أشرفهم وأعلاهم رتبة ، فهم يجوّزون على النبي الموت والقتل والهرب من الأعداء ، إذا لم يجد أنصارا ، والأكل والشّرب والنّكاح والفرح والغم ، وأن الأمور الفلكيّة تطرأ على أجسامهم كما تطرأ على أجسامنا ، غير أن نفوسهم الروحانية الشريفة النّورانيّة هي من خارج الأفلاك فلا يحكم الفلك على أنفسهم بل على أجسادهم ، وأنهم بالأجساد مثلنا ، غير أن بالأنفس فرقا بيننا وبينهم مثل ما بين الحيوان الغير الناطق وبيننا . وهذا ميدان يطول ، إن أردنا شرحه خرجنا عن غرض هذه الرسالة ، فنعود إلى ما كنّا فيه فنقول : وإذ قد ذكرنا كيفيّة ابتداء المملكة وعقد التاج ونصب سرير الملك ، فلنذكر من علم هذه الصناعة والعمل بها كيفيّة نصب لواء العزّ والولاية وعقد التاج وعلامة الحروب ، فهو أحسن أعمال هذه الصناعة بعد ما ذكرناه .