إخوان الصفاء

378

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

قد وقف على الصراط المستقيم « وإنه لقسم لو تعلمون عظيم » ، وإنّ ما ألقي إلى العالم من علمها كالنّقطة من البحر أو كالقطرة من القطر ، إذ كانت الدنيا بأسرها والأرض بما عليها وفيها ببطنها وظهرها تشبه حبة خردل في أرض فلاة لم يدرك العقل سعة أقطارها بالقياس إلى فلك القمر الذي هو أصغر الأفلاك كلها . وإذا كان ذلك كذلك فقد صح أن خلافة اللّه تعالى هي أمر خارج عن تدبير السياسة البشرية أن يعرفوه ، وعلم خفي عنهم أن يعلموه . واعلم يا أخي أن البيت الذي فيه سرّ الخلافة وعلم النبوة هو البيت الذي وسموا أهله بالسّحر العظيم في الجاهلية والإسلام لما يظهر منهم من الآيات ويعلمونه من المعجزات ، فلم يجد أعداؤهم حالا يضعون بها من منازلهم ، لما عجزوا عن العمل بمثل ما يعملونه وجهلوا العلم الذي يعلمونه ، إلّا أن قالوا إنهم سحرة وإن لهم أعوانا من الجن يمدّونهم بذلك . وهيهات حيل بينهم وبين ما يشتهون ! وإن هو إلّا علم إلهيّ وتأييد ربّانيّ تنزل به ملائكة كرام كاتبون وحفظة حاسبون يلقونه بأمر اللّه ، عزّ اسمه ، على من اصطفاه من خلقه وارتضاه بخلافته في أرضه . واعلم يا أخي أن حجة اللّه تعالى في خلقه وأمينه في أرضه من عالم الحيوان هو صورة الإنسان وخليفته في أرضه على النبات والحيوان وكذلك في المعادن - كما قلنا في رسالة أفعال الروحانيين إن الدائرة الواسعة تظهر أبدا أفعالها وتبيّن أفعالها فيما تحتها - واعلم أن في الدائرة المعدنية جواهر فاضلة شريفة وكذلك في النبات والأشجار وما يبدو عنها ويتكوّن منها ، وكذلك في الحيوان ملوكا ورؤساء - كما ذكرنا في رسالتنا الجامعة . واعلم أن في الحيوان ملوكا ورؤساء ، بعضهم جائر معتد يأخذ أموره بالقهر والغصب والظلم كأنواع السباع والوحش ، فهي غاية في الذم وقلّة الانتفاع في القرب منها ، بل الأولى الهرب منها والبعد عنها ، ومنها ملوك ورؤساء يأخذون أمورهم بحسن الخلق وطيب النفس مثل الفرس الكريم