إخوان الصفاء
379
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
والبقر والغنم ، وكذلك في الطير ، وهذا موجود في الخليقة بأسرها والدائرة الأرضيّة بأجمعها . وإذا كان كذلك في المعادن والحيوان والنبات ، فكيف لا يكون منه في عالم الإنسان الذي هذا كله له ومن أجله ، وبهذا البرهان أن كلّ جبّار وسلطان ظهر فيه الجهل ولم يوجد فيه العلم فهو مثل السباع والوحوش يأخذ من زمانه ما قدر عليه ، ومن وقته ما وصل إليه ، والمجاورون له في تعب ونصب وخوف منه ومشقّة مما يحملهم من مؤنته وفي مذلّته من مملكته . والذين هم الخلفاء بغير هذه الصفة مثل الأنبياء والأئمة والتابعين لهم بإحسان ، رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر ، هم خلفاء اللّه تعالى التابعون لأمره وبهم صلاح العالم ، وربما كانوا ظاهرين بالعيان موجودين في المكان في دور الكشف ، وبالضّدّ من ذلك في دور السّتر غير أنهم في دور السّتر لا يكونون مفقودي الوجه جملة من أعدائهم . فأمّا أولياؤهم فيعرفون مواضعهم ، ومن أراد منهم قصدهم تمكّن منه ، ولو كان غير ذلك كان منه خلوّ الزمان من الإمام الذي هو حجّة اللّه على خلقه ، وهو تعالى لا يرفع حجّته ولا يقطع الحبل الممدود بينه وبين عباده ، فهم أوتاد الأرض وهم الخلفاء بالحقيقة في الدّورين جميعا ، ففي دور الكشف يظهر ملكهم في الأجسام والأرواح ، وفي دور السّتر يجري أمرهم في الأنفس والعقول وأصحاب المملكة الأرضية والخلافة الجسمانية . وإنما تظهر في الأجسام أفعالهم دون الأنفس ، لم يملكوا الملك الروحاني ، ولا أيّدوا بالتأييد السماوي ، ولذلك صاروا مشاغيل بمثل ما يشتغل به البهائم ليس لهم همّة إلّا البطن والفرج ، وكذلك ليس لهم همّة إلّا جمع ذخائر الدنيا وجواهرها واغتنام لذّاتها والحرص على نيل شهواتها كما قال تعالى . « زيّن للناس حبّ الشهوات من النّساء والبنين والقناطير المقنطرة » إلى قوله ، جلّ جلاله : « واللّه عنده حسن المآب » وهؤلاء الناس هم المغرورون الملك الأرضيّ كما