إخوان الصفاء

377

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

أن لا يقرب الشجرة التي نهاه عنها كان في الجنة بأمر اللّه . فلما أطاع إبليس فقبل منه وأكل من الشجرة ، خرج من أمر اللّه تعالى ، وصار في أمر إبليس ، لعنه اللّه ، ووقع في الخطيئة لأن اللّه تعالى أمره فخالفه ، وأمره إبليس فأطاعه . فلما علم ذلك بمناداة اللّه له في تذكاره بما استوجبه من نسيان وصيته ، استرجع وتاب وأناب ولم يستكبر كما استكبر إبليس . وكذلك إبليس أمره اللّه تعالى أن يسجد لآدم ، فلما سوّلت له نفسه أنه خير منه وامتنع من السجود ، خرج من أمر اللّه ، سبحانه ، وصار في أمر نفسه . وهكذا يجري أمر المستخلفين من ذرّيّة آدم في الأرض من كان منهم مستخلفا فيها بأمر اللّه تعالى الذي استخلف به آدم بعد التوبة ، وهو الأمر الثاني والوصية الثانية التي لم يتعدّها ولم ينسها وجعلها كلمة باقية في عقبه ، وهي خلافة النبوة ومملكة الرسالة والإمامة . فمن تعدى هذا الأمر وخالف هذه الوصية وطلب أن يكون خليفة اللّه تعالى ليدبّر خلقه بسعيه وحرصه فإنه لا يتمّ له ، وإن تمّ وقدر عليه فإنما هو خليفة إبليس ، لأنها حيلة ومكيدة وخديعة وتعدّ وغصب وظلم وعدوان وخذلان وطغيان وعصيان . فإذا فعل ذلك ربطت به روحانية كوكب فلا يزال محبوسا فيها محصورا في أحكامها حتى يموت . وعلى هذا تجري أحوال الملوك والسلاطين والمتغلبين في الدنيا ، ولذلك صاروا محتاجين إلى المنجّمين وأصحاب المعارف ، حتى إن بعضهم إذا وصل إلى حكيم عالم من أهل هذه الصناعة وبلّغه ما يريده وعلم أنه عارف بما يبدو منه ويظهر عنه ومن عاقبة أمره ، قتله أو حبسه أو منعه من الكلام ، والأحبّ إليه قتله فلذلك صارت العلماء لا يظهرون علومهم للملوك بأسرهم ويكتمونها عنهم ، ولا يرغبون فيما يرغّبونهم فيه من أمور الدنيا وأحوالها . واعلم يا أخي أن هذه الصناعة حق ويقين ، والعارف بها على حقيقة المعرفة