إخوان الصفاء

33

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

فصل ومما يدلّ على أن أهل بيت نبينا ، عليهم السلام ، كانوا يرون هذا الرأي ، تسليمهم أجسادهم إلى القتل يوم كربلاء ، ولم يرضوا أن يتولوا على حكم يزيد وزياد ، وصبروا على العطش ، والطعن والضرب ، حتى فارقت نفوسهم أجسادهم ، ورفعت إلى ملكوت السماء ، ولقوا آباءهم الطاهرين محمدا وعليّا والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوهم في ساعة العسرة ، الذين رضي اللّه عنهم ورضوا عنه ، ولو لم يكن القوم مستيقنين ببقاء نفوسهم بعد مفارقة أجسادهم ، لما تعجّلوا إهلاك أجسادهم ، وتسليمها إلى القتل والضرب والطعن ، وفراق لذيذ عيش الدنيا ، ولكن القوم قد علموا وتيقنوا ما دعوا إليه من الحياة في الآخرة ، والنعيم والخلود فيها ، والفوز والنجاة من غرور الدنيا وبلائها ، فبادر القوم إلى ما تصوّروا وتحققوا ، وتسارعوا في الخيرات ، وكانوا يدعون ربهم رغبا ورهبا ، وكانوا من خشيته مشفقين . فهل لك يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن تقتدي بهم وبسنّتهم ، وتسلك مسلكهم ، وتقصد مقصدهم ، وتبادر قبل الفوات في فكاك نفسك من أسر الطبيعة ، وتنجّيها من بحر الهيولى ، وتخرجها من قعر الأجسام ، وظلمة الأجساد ، ونيران الشهوات المحرقة ، والغرور باللذّات الجرمانية في جوار الشيطان ، وتعمل كما يعمل الناس النجباء بأن تصحب إخوانا لك نصحاء ، وأصدقاء كرماء ، محبّين لك وادّين ، مواظبين على نجاتك ونجاة نفوسهم ، وأن ترغب في صحبتهم ، وتسمع أقاويلهم ، وتفهم كلامهم بحضورك في مجالسهم ، وتنظر في كتبهم لتعرف اعتقادهم ، وتتخلّق بأخلاقهم ، وتتعلم علومهم ، وتسير بسيرتهم العادلة ، وتعمل بسنّتهم الزكية ، وتتفقّه في شريعتهم العقلية ، لتحيا كحياتهم الملكيّة ، وتعيش عيش السعداء مخلّدا أبدا ، وتتجنّب صحبة إخوان الشياطين الذين لا يريدونك إلّا لصلاح