إخوان الصفاء
34
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء
أمور دنياهم ، وحياة أجسادهم ، ودفع المضرّة عنها ، وهم يهلكون نفوسهم وهم لا يشعرون ! فصل ومما يدل على أن الفلاسفة الحكماء المتألهين كانوا يرون هذا الرأي ويعتقدونه تسليم سقراط جسده للتّلف ، وتناوله شربة السّمّ اختيارا منه : وذلك أن هذا الرجل كان حكيما من حكماء بلاد يونان وفلاسفتها ، وكان قد أظهر الزّهد في الدنيا ونعيمها ولذاتها ، ورغب في سرور عالم الأرواح وروحها وريحانها ، ودعا الناس إليها ورغّبهم فيها ، وزهّدهم في المقام في عالم الكون والفساد ، فأجابه إلى ذلك جماعة من أولاد الملوك وكبار الناس ، واجتمع حوله الأحداث وأولاد النّعم يسمعون حكمته وغرائب نوادر كلامه ، فحسده جماعة من مخالفيه ومن يريد الدنيا وزينتها ، واتّهموه بمحبة الصبيان ، وقالوا إنه يتهاون بعبادة الأصنام ويأمرهم به ! وسعوا به إلى الملك ، وشهد عليه بالزور أحد عشر رجلا بأنه واجب قتله ، فحبس أشهرا يرون في قتله . فاجتمع عنده في الحبس نحو من سبعين فيلسوفا ، مخالفا وموافقا ، يناظرون في رأيه وما يعتقدونه في أمر النفس وبقائها بعد مفارقة الجسد ، وصلاح حالها ، فحاجّهم كلّهم وصحح رأيه في بقاء النفس وصلاح حالها بعد فراق الجسد ، ولهذا قصة يطول شرحها في كتاب . فمما قيل له : إن كنت مظلوما ، فهل لك أن تخلص من القتل بفدية من مال أو بهرب ؟ فقال : أخاف أن يقول لي الناموس غدا : لم فررت من حكمي يا سقراط ! فقالوا له : تقول : لأني كنت مظلوما . فقال : أرأيتم إن قال لي الناموس : أرأيت أن ظلمك بالقضاة