إخوان الصفاء

32

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

وغربها بأفعال الحواريّين بعدهم . فتهاونهم بأمر أجسادهم يدلّ على أنهم كانوا يرون ويعتقدون بقاء النفس وصلاح حالها بعد تلف الأجساد . ومن ذلك أفعال الرّهبان ، والذين هم خيار أصحابه وأتباعه ، إن أحدهم يحبس جسده في صومعته سنين كثيرة ، ويمتنع عن الطعام والشراب ، واللذات ، واللباس الناعم ، وملاذ الدنيا وشهواتها ، كلّ ذلك لشدّة يقينهم ببقاء النفس وصلاح حالها بعد تلف الأجساد . فصل ومما يدل على أن إبراهيم خليل الرحمن كان يرى هذا الرأي قوله : « الذي خلقني فهو يهدين والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين . ربّ هب لي حكما وألحقني بالصالحين » . وهكذا قول يوسف الصّدّيق : « رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السماوات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفني مسلما وألحقني بالصالحين » . أترى أنهما أرادا اللحوق بالصالحين بجسديهما أو نفسيهما ؟ وهل ألحق جسداهما إلّا بتراب الأرض التي منها خلقا ، وإنما أرادا نفسيهما الزكيّتين الشريفتين الروحانيتين والسماويتين النّورانيّتين ، لا جسديهما المؤلفين من اللحم والدم ، والعظم ، والعروق والعصب ، وما شاكلها من الأخلاط الأربعة