إخوان الصفاء

316

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء

في تدبيره والكفاية في توزيره ، قد كفاه أمر التدبير مما يحتاج إليه ، فهو مشغول بلذته وتناول نهمته في لذة من عيشه وأمان من مصائب الزمان وحوادث الأيام . والوزير يورد ويصدر بحميد رأيه وجميل نيّته وحسن طويته . فأقام الملك على ذلك مدة من دهره وبرهة من عمره . فلما كان في بعض الأوقات عرضت للملك علّة كدّرت عليه عيشه ، ونغّصت حياته ، فتغيّر لونه وهزل جسمه ، وضعفت قوته ، واشتغل من تلك العلة ، واستدعى وزيره وقال له : قد ترى ما نزل بي من هذه العلّة التي قد حالت بيني وبين اللذات ، حتى قد تمنيت الموت ، ومللت الحياة . فرقّ له الوزير وبكى عليه ، ثم خرج فجمع الأطباء والتمس الدواء ، ولم يدع مستطبّا ولا معزما « 1 » ولا صاحب نجامة وكهانة إلّا أحضره ، وأعلمهم علّة الملك وما يجده من الألم والوجع ، وأنه يشكو ضربان « 2 » جسده ، والتهاب حرارة في قلبه وكبده ، فكلّ قال وما أصاب ، وعمل وما أفلح ، وعالج فما أنجح « 3 » . واشتدت تلك العلّة بالملك ، واشتغل الوزير بذلك عن تدبير المملكة وسياسة الخاصّة والعامّة من خدم المملكة ورعيتها ، واضطربت الأعمال ، وعصت العمّال ، وكثرت الخوارج في أطراف المملكة وأقاصي الدولة ، فعظم ذلك على الوزير وتحيّر وخاف على الملك الهلاك ، فعاد إلى جمع الحكماء وإحضار العلماء ، ومن قدر عليهم من الشيوخ القدماء ، وأعاد عليهم القول ، واستدعى منهم الجواب ، وكان فيهم شيخ كبير قد عرف وجرّب فقال : أيها الوزير إن العلّة التي بالملك معروفة بظاهرها خفيّة بباطنها ، ومثل

--> ( 1 ) المعزمون : من يقرأون العزائم أي الرقى . ( 2 ) الضّربان : الخفقان . ( 3 ) أنجح : مثل نجح .